بقلم:د.عبد الكريم بكار
كنت أقرأ وأبحث عن أكثر الأمراض النفسية انتشاراً في العالم، ووجدت أن القلق والاكتئاب هما الأكثر شيوعاً بين الناس في كل المجتمعات، حتى إن ملايين البشر قد يعيشون معهما سنين طويلة دون أن يُدركوا أنهم يحملون مرضاً يمكن علاجه.
كثيرٌ من الناس يظلون أسرى لأفكارٍ مقلقة تتسابق في أذهانهم ليل نهار، يطاردهم الأرق، يُثقل كاهلهم التوتر، تتحوّل أبسط القرارات اليومية إلى عبءٍ ثقيل، ويظلون يبتسمون للعالم وكأن لا شيء في صدورهم ينزف. هذا هو القلق الذي يُرهق الروح من الداخل.
وهناك من يعيشون خلف ستارٍ من الصمت، يبدون عاديين في نظر الجميع لكن قلوبهم غارقة في حزنٍ لا اسم له. تتبدّد الرغبة في كل جميل، يفقدون شغفهم بما كانوا يحبونه، ينسحبون من اللقاءات شيئاً فشيئاً، يعتذرون عن حضور المناسبات، ويُخفون غربتهم خلف كلمة «أنا بخير». ذلك هو الاكتئاب الذي يسحب من النفس نورها.
وهذه الآلام الصامتة لا تقف عند حدود النفس، بل تنساب لتطفئ دفء البيوت، وتشوّه صفاء العلاقات الزوجية، وتزرع الحواجز بين الآباء والأبناء، وتقتل حيوية الصداقات، وتعرقل مسيرة العمل والإنجاز.
الكثير يظن أن هذه الأعراض طبيعية، أو أنها من طباع الشخصية التي يجب أن يتحملها وحده بصبرٍ طويل، بينما الحقيقة أن النفس إذا عُولِجت ذاقت من الاتساع والطمأنينة ما يجعل الإنسان يخرج من ضيقٍ خانق كأنه يخرج من غرفةٍ مظلمة إلى فضاءٍ واسعٍ مليء بالنور. هو انتقالٌ حقيقي من ظلماتٍ متراكمة إلى نورٍ يبعث الحياة من جديد.
والعلاج هنا ليس ترفاً ولا رفاهية، بل ضرورةٌ يبدأ بها الطريق نحو الشفاء؛ ومن أعظم أبواب النجاة أن يطرق الإنسان باب مختصّ نفسي موثوق، فلا خجل في علاجٍ يعيد للنفس اتساعها وهدوءها.
إن القلق والاكتئاب ليسا دليلاً على ضعف الإيمان ولا قلة الإرادة، بل هما أمراضٌ لها أسبابها وأبواب علاجها التي خلقها الله. والناس أحوج ما يكونون إلى فهم من حولهم قبل لومهم، إلى رحمةٍ صادقةٍ وكلمةٍ حانية ويدٍ حقيقية تُساعدهم على الوقوف من جديد.
وما أرحم الله بعباده! فما من نفسٍ يثقلها همٌّ أو ينهكها حزنٌ إلا وله ربٌّ كريمٌ يراها ويسمع أنينها ويُقدّر ضعفها ويهيّئ لها من الأبواب ما لا يخطر على بالها. وما من مرضٍ يطرق القلوب إلا وقد خلق الله له من الأسباب ما يداويه ويحييه من جديد.
وكم يكون عظيماً أثر من يذكّرهم بأن الله وحده هو الشافي الرحيم، إذ يقول سبحانه: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾.
لعلّ كلمةً صادقة، أو مختصاً أميناً، أو لحظةً شجاعةً لطلب المساعدة، تكون سببًا في خروج روحٍ من ضيقها إلى سعتها ومن ظلمتها إلى نورها.
(أخبار سوريا الوطن- الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
