الرئيسية » كلمة حرة » حين يصبح الزيتون أكثر من موسم…

حين يصبح الزيتون أكثر من موسم…

أسيمة حسن

 

 

في الساحل السوري، لا يأتي موسم الزيتون وحده؛ تأتي معه ذاكرة البيوت، ورائحة الأرض، وأصوات الذين اعتادوا أن يلتقوا تحت الأشجار، كأنهم يستعيدون موعداً قديماً مع الحياة. هنا، لا يُقاس الموسم بما تحمله الأغصان من ثمار فحسب، بل بما يوقظه في النفوس من حكايات، وما يفتحه أمام العائلات من أبواب للأمل.

كان قطاف الزيتون، في قرى الساحل، أشبه بعرسٍ ريفي يتكرر كل عام. تستيقظ العائلات باكراً، وتتهيأ الأيدي للعمل، وتُفرش الشوادر تحت الأشجار، فيما تتوزع المهام بين الكبار والصغار. تتداخل الأصوات مع حفيف الأغصان، وتصبح ساعات التعب مساحةً للحديث والضحك واستعادة الذكريات. لم يكن أحد يشعر بأنه يعمل وحده؛ فالجيران يتعاونون، والأقارب يتبادلون المساعدة، وما يعجز عنه فرد تنجزه الجماعة بمحبة وتكافل.
كانت البركة في ذلك الموسم تتجاوز عدد الصناديق الممتلئة أو لترات الزيت المستخرجة. كانت تكمن في تلك الروح التي تجمع الناس حول غاية واحدة، وتعيد تذكيرهم بأن الحياة، مهما أثقلت كاهلهم، تصبح أهون حين يتقاسمون أعباءها.

وللزيتون حكاية أخرى مع البيوت السورية. فقد كانت أسر كثيرة تنتظر الموسم لتبدأ ترميم منزل، أو تستكمل بناء غرفة، أو تشتري ما تحتاج إليه من أثاث، أو تجهّز ابناً أو ابنة للزواج. كان الموسم موعداً اقتصادياً واجتماعياً في آنٍ واحد؛ تُعلّق عليه آمال مؤجلة، وتُرسم على أساسه خطط العام المقبل. وكأن شجرة الزيتون، التي تمنح ثمرها بصبر، كانت تمنح أصحابها أيضاً فسحةً للتفكير بالمستقبل، وشجاعةً لمواصلة الحياة.

وعلى المائدة السورية، كان للزيتون مكان لا ينافسه فيه شيء. زيت الموسم الجديد، بلونه الذهبي ورائحته التي تملأ المكان، والزيتون المكبوس، والزعتر، والخبز الساخن المغموس بالزيت، أشياء تتجاوز قيمتها الغذائية لتصبح جزءاً من الذاكرة والهوية. كم من صباحٍ بدأ برغيف خبز وزيت زيتون، وكم من بيتٍ استقبل ضيفه بما تختزنه أرضه من خيرات، في بساطة لا تحتاج إلى تكلف كي تكون غنية بالمعنى.

ولعلّ ما يمنح الموسم الحالي أهمية مضاعفة هو أنه يأتي بعد سنوات لم تكن فيها مواسم الزيتون دائماً على قدر تطلعات المزارعين. سنواتٌ ضعفت فيها الغلال، وضاقت معها الخيارات، وازدادت الأعباء على أسرٍ اعتادت أن تجد في الأرض سنداً لها. لذلك، فإن وفرة الموسم هذا العام، بما تحمله من بشائر الخير، تبدو أكثر من مجرد تحسن في الإنتاج؛ إنها فرصة للتعويض، واستعادة شيء من الطمأنينة، وترميم ما أرهقته الأيام.

كم نحن بحاجة إلى موسم زيتونٍ كريم، لا ليملأ المعاصر بالخيرات فقط، بل ليمنح المزارع ثمرة تعبه، ويعيد إلى البيوت قدرتها على تدبير شؤونها، ويوقظ في النفوس ذلك الشعور البسيط والعميق بأن الغد قد يكون أفضل. نحن بحاجة إلى موسم يعيد بعض ما خسرناه، لا بالمال وحده، بل بالإحساس بأن الأرض لا تزال قادرة على احتضان أحلامنا، وأن الصبر، وإن طال، قد يجد في النهاية ما يستحقه.

ولعلّ أجمل ما في شجرة الزيتون أنها لا تعرف الاستسلام بسهولة. تتشبث جذورها بالأرض، وتقاوم تبدل الفصول، وتواصل منح ثمارها جيلاً بعد جيل. وقد اختارها الوجدان الإنساني رمزاً للسلام، كما ارتبطت في ذاكرتنا الدينية بالبركة والنور؛ فهي الشجرة التي لا تكتفي بأن تمنحنا ثمارها، بل تذكّرنا بمعاني الثبات والتجدد والارتباط بالأرض.

أليست الزيتونة، في جانبٍ من حكايتها، شبيهةً بالوطن؟ كلاهما يحمل آثار السنين، وكلاهما قد يمرّ بمواسم قاسية، وكلاهما يحتاج إلى رعاية وصبر كي يستعيد عافيته. وكما لا تُقاس قيمة الشجرة بموسم واحد، لا تُختصر حكاية الأوطان بما مرّت به من محن. فثمة جذور تبقى حيّة تحت التراب، تنتظر المطر، وثمة أغصان تعرف كيف تستعيد خضرتها مهما طال الجفاف.

في الساحل السوري، حين تمتد الأيدي إلى الأغصان وتبدأ حبات الزيتون بالتساقط، لا يكون المشهد مجرد حصادٍ لثمار نضجت تحت الشمس؛ إنه حصاد لذاكرةٍ جماعية، ولعاداتٍ تستحق أن تبقى، ولروح تعاونٍ نحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.

وإذا كان هذا الموسم يحمل الخير والبركة، فلعلّ أمنيته الأعمق أن يعيد إلى الناس بعض ما أتعبتهم خسارته، وأن يفتح أمام البيوت نوافذ جديدة للأمل.
فما أحوجنا إلى زيتونةٍ تظلّل أحلامنا، وإلى أرضٍ تمنحنا من خيراتها ما يعيننا على النهوض، وإلى وطنٍ يشبهها؛ متجذراً في ترابه، قادراً على التجدد، ومؤمناً بأن مواسم الخير لا بد أن تعود.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين تسقط التربية في البيت… ينهار التعليم في المدرسة…

كتب: د. ياسر محمد علوش     في ضوء ما تشهده مدارسنا من تراجعٍ واضح في السلوكيات الطلابية، بات من الضروري توضيح حقيقة لا يمكن ...