المهندس محمود محمد صقر
في الحلقتين السابقتين، وضعنا سورية على طاولة التخطيط.
في الأولى، طرحنا سؤال الرؤية: أي سورية نريد أن نبني؟
وفي الثانية، توقفنا عند المعرفة: قبل أن نرسم، ماذا يجب أن نعرف عن سورية التي لدينا؟
واليوم نصل إلى الخطوة الثالثة: ماذا تقول لنا هذه المعرفة عندما نضعها أمام بعضها؟
لنتخيل أننا وضعنا الخرائط التي جمعناها فوق بعضها، ثم بدأنا بمقارنة ما تقوله كل طبقة بما تقوله الأخرى.
نبدأ بالسكان، ثم نضع فوقهم الخدمات، والعمل، والطرق، والبنية التحتية، والأرض.
عندها قد نكتشف أشياء لم نكن نراها بوضوح عندما كنا ننظر إلى كل ملف بمفرده.
قد نجد حياً يزداد سكانه عاماً بعد عام، دون أن تزداد فيه المدارس أو المراكز الصحية بالقدر نفسه.
وقد نجد منطقة تتوسع عمرانياً، لكنها بعيدة عن أماكن العمل، فيضطر سكانها إلى قطع مسافات طويلة كل صباح.
وقد نجد طريقاً يبدو جيداً على الورق، لكنه يتحول إلى عنق زجاجة عندما نضع عليه حركة السكان الفعلية.
وقد نكتشف أن أرضاً زراعية تحولت إلى توسع عمراني، دون أن نكون قد حسبنا ما يعنيه ذلك للأمن الغذائي أو للمياه أو لمستقبل المدينة.
وهنا تبدأ الخريطة بالكلام.
فالمشكلة لا تظهر دائماً في الطبقة الواحدة، بل في المسافة بين طبقة وأخرى.
وهذا يقودنا إلى مجموعة من الأسئلة التي ينبغي ألا نتجاوزها:
لماذا توسعت بعض المدن دون أن تتوسع معها الخدمات؟
كيف نشأت أحياء سكنية دون بنية تحتية كافية؟
لماذا ابتعدت التجمعات السكانية عن فرص العمل؟
كيف خسرنا مساحات من الأراضي الزراعية لصالح التوسع العمراني؟
لماذا لا تتناسب بعض شبكات الطرق والنقل مع حركة السكان والاقتصاد؟
كيف توزعت المدارس والجامعات والمشافي بين المدن والأحياء والريف؟
وماذا حدث للأراضي التي استُملكت أو تغيرت صفتها التنظيمية؟ وهل حُفظت حقوق أصحابها، وهل خدمت تلك التغييرات المصلحة العامة؟
ثم هناك سؤال لا يقل أهمية:
لماذا فقدت بعض المدن والقرى جزءاً من دورها الاقتصادي، حتى أصبحت الهجرة منها بحثاً عن العمل والخدمات ضرورة لا اختياراً؟
هذه الأسئلة ليست دعوة إلى توزيع الاتهامات، ولا إلى البحث عن مسؤول نعلّق عليه أخطاء الماضي.
نحن نحاول أن نفهم كيف حدث الخلل، وكيف تراكم، ولماذا لم تستطع بعض المعالجات الجزئية أن توقفه.
فسورية ليست مدينة واحدة، ولا يمكن أن تكون لها وصفة تخطيطية واحدة.
ما نراه في دمشق ليس بالضرورة ما نراه في حلب أو حمص أو طرطوس أو دير الزور، وما تحتاجه مدينة كبيرة قد يختلف تماماً عما تحتاجه بلدة صغيرة أو قرية زراعية.
لكل مدينة شخصيتها، وتاريخها، وموارد
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
