آخر الأخبار
الرئيسية » من المحافظات » عين العرب.. كيف نجحت الحكومة في تفكيك أكثر العقد حساسية على مستوى دمج المناطق؟

عين العرب.. كيف نجحت الحكومة في تفكيك أكثر العقد حساسية على مستوى دمج المناطق؟

مها سلطان

يوم الاثنين الماضي، تسلمت الحكومة السورية إدارة منطقة عين العرب «كوباني»، بالتزامن تقريبا مع صدور القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة في دوائر الحسكة والمالكية والقامشلي وعين العرب.

في ترتيب الأهمية التي تنطوي عليها عملية تسلم إدارة عين العرب، تكون الحكومة السورية قد نجحت في تجاوز أكثر الملفات حساسية في دمج المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم “قسد”، ولا يخفى ما كانت تمثله عين العرب، بوصفها منطقة محورية ضمن مشروع “قسد”، أي “الإدارة الذاتية”.

وفي ترتيب الجغرافيا الوطنية، تمثل عين العرب عقدة وصل ديمغرافية بين حلب وشرق نهر الفرات. هي المنطقة الإدارية الثانية عشرة في محافظة حلب، وهي المنطقة الوحيدة التابعة لحلب الواقعة على يسار النهر عند دخوله الأراضي السورية قادما من تركيا، وهذا ما منحها أهمية استراتيجية، وجعلها بوابة طبيعية تصل ريف حلب الشمالي الشرقي بعمق الجزيرة السورية وعموم مناطق شرقي الفرات. ومع عودتها إلى إدارة الحكومة السورية، تعود عين العرب لتؤدي دورا بارزا في إعادة رسم العلاقة بين حلب ومناطق الجزيرة، ليس فقط على مستوى الخرائط الإدارية، وإنما ضمن سياق أوسع بطابع اقتصادي، يتركز على إعادة تنظيم الحضور الاقتصادي والاجتماعي.

تبلغ المساحة الإجمالية لمنطقة عين العرب نحو 273 ألف هكتار، أي 2730 كيلومترا مربعا. وتضم أربع نواح رئيسية: مركز عين العرب، وصرين، والجلبية، والشيوخ التحتانية، وما بين 360 و384 قرية صغيرة. ويشكل الأكراد الغالبية في مركز المنطقة، أي في مدينة عين العرب، بينما يشكل العرب الغالبية في نواحي المنطقة، ولا سيما في ناحيتي صرين والشيوخ، ما يعكس تنوعا سكانيا واجتماعيا ممتدا في كامل الجغرافيا الإدارية.

وفي ترتيب توحيد الدولة، تتجاوز عين العرب في أهميتها ما سبق، فهي ليست مجرد عقدة أخرى نجحت الحكومة في تفكيكها على طريق تنفيذ اتفاق الاندماج مع “قسد“. ولا بد هنا من توسيع الرؤية باتجاه خطة عمل كاملة على مستوى الاتفاق مع “قسد”، تنفذها الحكومة بكثير من الصبر ومن دون ضجة، خصوصا عندما يندلع توتر ما حول بعض التفاصيل. كل نجاح تحقق على مستوى تنفيذ اتفاق الدمج سبقه أو رافقه توترات هددت، في بعض تفاصيلها، إمكانية تحقيق النجاح، وعندما كان اللغط والجدل يعلو ويرتفع ويدفع التشاؤم إلى أعلى مستوياته، كانت الحكومة السورية ترد بالعمل الصبور والهادئ لحلحلة العقد، وتنتظر حتى اكتمال العمل لتعلنه. ترد بدبلوماسية شديدة عندما يتعلق الأمر بما يقال عن بطء تنفيذ الاتفاق، وتؤجل حديث الأخذ والرد حول التفاصيل إلى حين انتهاء العمل. مرحلة انتهاء العمل كفيلة بالرد، ودون حاجة إلى كثير من التصريحات.

علما أن هذا البطء، إذا ما صح اعتماد هذا التوصيف لقراءة مشهد الاندماج، كان متوقعا إلى حد كبير. فمنذ توقيع الاتفاق بين الحكومة و”قسد” في 29 كانون الثاني، كان هناك تحضير واستعداد لكل التحديات. ولم يتم النظر إلى عملية التنفيذ باعتبارها سهلة، أو أنها يمكن أن تتم عبر تنفيذ حرفي للبنود والمراحل. وأهم ما اعتمدته الحكومة أنها عملت بروح الاتفاق، واتخذت مسارات عمل وفق المتاح، فأينما وجدت نافذة مفتوحة للحل اتجهت إليها، وذهبت بانفتاحها على الحلول والتسويات إلى أقصى حد ممكن. ولأجل تركيز الجهود وتأطيرها ضمن مهمة واحدة، وللتأكيد على أولوية إنجاح الاتفاق، عملت مؤسسة الرئاسة على تشكيل فريق رئاسي يرأسه العميد زياد العايش لضمان أن يكون التنفيذ قائما على قواعد ومراحل، تؤسس كل منها للأخرى، فلا تحصل انتكاسات عميقة.

ماذا في التفاصيل؟

تسلمت الحكومة السورية رسميا يوم الاثنين الماضي إدارة منطقة عين العرب «كوباني»، في ريف حلب الشرقي، وجرت عملية التسليم بحضور المكلف بإدارة المنطقة إبراهيم مسلم، وعدد من المسؤولين، بينهم مدير الأمن الداخلي للمنطقة مجد الدين الشيخ وعدد من الشخصيات الرسمية، لتبدأ عمليا مهمة تنظيم العمل الإداري والأمني وترسيخ الاستقرار.

وكان مسلم التقى ممثلين عن الإدارة الذاتية كانوا في استقباله، بينهم مدير الناحية محمد محمد، وذلك في المقر المخصص لإدارة المنطقة، الذي كان سابقا مقرا لـ”الإدارة الذاتية”. وجرى خلال اللقاء بحث آلية تسيير شؤون المدنيين وسبل إنجاح عملية الاندماج الإداري والأمني، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتنظيم العمل الإداري والخدمي في المدينة وريفها.

ويوم السبت الماضي، التقى مسلم قائد تنظيم “قسد” مظلوم عبدي في مدينة الحسكة، وجرى خلال اللقاء بحث ملفات خدمية وأمنية وإدارية تتعلق بالمدينة وريفها، إضافة إلى مشاريع تنموية وخطط لتحسين الواقع الخدمي في المنطقة. وكانت أجواء اللقاء إيجابية، إذ أن مسلم طرح خلال الاجتماع عددا من المشاريع والخطط المتعلقة بتحسين الخدمات وتنظيم العمل الإداري.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في وقت سابق تسلم مبنى مديرية الأمن الداخلي في عين العرب ومباشرة مهامها رسميا.

هذا التطور تزامن مع إصدار اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب القوائم الأولية لأعضاء الهيئات الناخبة عن الدوائر الانتخابية الأربع: الحسكة والمالكية والقامشلي وعين العرب.

وتعد هذه القوائم اللبنة الأساسية في العملية الانتخابية، إذ تحدد من يحق له الاقتراع في كل دائرة، وتمثل مرحلة متقدمة في استكمال الاستحقاق الدستوري في المناطق التي شهدت تأخيرات سابقة بسبب الظروف الأمنية والسياسية.

ويتيح نشر القائمة الأولية فرصة الاعتراض والطعن لتصحيح الأخطاء، مثل إدراج من لا يستحق أو استبعاد من يستحق، ثم تعتمد القائمة النهائية التي تستخدم في يوم الاقتراع لتوزيع الأصوات وفرزها. وهذه الخطوة ضرورية لضمان نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها، ومنع التزوير أو الازدواجية.

وكانت محافظة الحسكة ومنطقة عين العرب من المناطق التي أرجئت فيها الانتخابات البرلمانية السابقة بسبب سيطرة “قسد” على أجزاء كبيرة منها، وتحديات أمنية وإدارية. لكن بعد اتفاق 29 كانون الثاني 2026، الذي تضمن تسليم المؤسسات المدنية والحكومية، استعادت الدولة السيطرة تدريجيا على هذه المناطق، وأصبح إجراء الانتخابات فيها ممكنا.

ويؤكد إصدار القوائم الأولية للهيئات الناخبة أن هذه المناطق أصبحت جاهزة للانتخابات، وأن سكانها سيمارسون حقهم الدستوري كباقي السوريين، مما يعزز الوحدة الوطنية ويقلص الانقسام الإداري.

وكان المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، أكد في تصريح صحفي يوم الأحد الماضي أن الانتخابات بعيدة عن مبدأ المحاصصة، مشيرا إلى أن التمثيل العادل لجميع مكونات الشعب السوري سيكون مضمونا على صعيد الكفاءات.

وأوضح أن المحاصصة نظام سياسي له إيجابياته، لكن له سلبياته على صعيد الاندماج والارتقاء بمستوى الشعور بالانتماء إلى الوطن.

وأوضح أن دور اللجنة العليا في التأثير على مستوى التمثيل داخل مجلس الشعب “ينتهي عند مرحلة تشكيل الهيئات الناخبة”، مضيفا أن “صناديق الاقتراع النزيهة والشفافة هي التي تحسم النتائج النهائية للعملية الانتخابية”.

المرحلة التالية

هذا التطور على مستوى ملفين، سياسي وإداري، وسع حالة التفاؤل بانتقال أسرع إلى مرحلة جديدة، سواء في ما يخص تنفيذ اتفاق الاندماج أو ما يخص ملف الانتخابات، وإن كان التركيز الحالي على ملف الاندماج باعتباره ملفا متقدما على المستوى الإداري والأمني، وبما يسمح بتيسير العملية الانتخابية.

هنا يبرز سؤال حول المحطة التالية ما بعد تسلم إدارة عين العرب، وأي تحديات ستفرزها حساسية التفاصيل الكامنة بين العناوين الرئيسية؟

وفق المحلل السياسي المعتصم الكيلاني، فإن المرحلة التالية ما بعد عين العرب والحسكة لن تكون مجرد استكمال لتسلم المؤسسات، بل انتقالا إلى مستوى أعمق وأكثر حساسية، خصوصا ما يتعلق بملف القضاء والمعابر والسجون واللامركزية الإدارية، والدمج الأمني، وتنظيم العلاقة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، ومستقبل قوات “قسد”، إلخ.

ويرى الكيلاني، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن ما يجري اليوم في شرق الفرات ليس مجرد إعادة انتشار للدولة السورية، بل محاولة لإعادة صياغة العقد السياسي السوري نفسه بعد سنوات الحرب والانقسام.

ولهذا، فإن تعثر بعض الملفات، مثل القصر العدلي في الحسكة، لا يعد تفصيلا صغيرا، وفق الكيلاني، وإنما مؤشر على أن أصعب مراحل الدمج بدأت بالفعل: مرحلة توحيد الشرعية والمؤسسات والهوية الوطنية، لا استعادة الجغرافيا فقط.

في المقابل، يضيف الكيلاني، صحيح أن تسلم إدارة عين العرب هو خطوة سياسية وإدارية مهمة على طريق تنفيذ اتفاق الاندماج، لكنه في الوقت ذاته رسالة واضحة بأن الدولة السورية تحاول الانتقال من إدارة “التفاهمات المؤقتة” إلى إعادة بناء حضور الدولة تدريجيا في شرق الفرات.

لكن ما يجري اليوم لا يمكن وصفه بأنه اتفاق نهائي أو استعادة تقليدية لسيطرة الدولة، بل هو عملية انتقال تقوم على التدرج، والتفاوض المستمر، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز السوري والمناطق التي خضعت لسنوات لإدارة ذاتية مستقلة نسبيا.

من هنا، يرى الكيلاني أنه رغم التعقيدات التي تبرز مع كل مرحلة تنفيذ لاتفاق الاندماج، فإن التحدي الأهم ربما يكون داخليا ومجتمعيا أكثر منه سياسيا، فنجاح الاندماج لا يعتمد فقط على الاتفاقات بين القوى العسكرية والسياسية، وإنما على قدرة الدولة على تقديم نموذج مختلف عن المرحلة السابقة؛ نموذج يطمئن الناس، ويحد من المخاوف المرتبطة بعودة المركزية الأمنية القديمة، ويعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي ضمن إطار وطني موحد.

لكن الكيلاني يرى أن المرحلة المقبلة قد تقوم على عملية توسيع أكبر، حيث تعمل الدولة السورية على استعادة حضورها داخل المؤسسات المدنية والخدمية بشكل تدريجي، من دون صدام مباشر مع البنية القائمة للإدارة الذاتية. وهذا ما ظهر في إعادة تشغيل بعض المؤسسات الرسمية، وتفعيل المعابر، وإطلاق ترتيبات خدمية وإدارية مشتركة في العديد من المناطق.

توحيد الدولة

هذه النقطة الأخيرة التي تحدث عنها الكيلاني يركز عليها العديد من المحللين الذين يرون أن هناك مسارا واضحا لدى الحكومة للتعامل مع المتغيرات والمستجدات عبر التشاركية وإدماج القوى السياسية والعسكرية والخدمية في جسد الدولة، لبناء الهوية الوطنية والخروج من حالة الفوضى التي كانت سائدة.

ويركز المحللون بشكل خاص على جهود توحيد الدولة، معتبرين أن اتفاق الاندماج يمضي بصورة جيدة، حيث يتم تذليل ملفات معقدة وشائكة للغاية، وهذا ما يدعو إلى التفاؤل بأن بقية الملفات ستجد طريقها إلى الحل، وربما أسرع مما هو متوقع إذا ما أخذنا في الاعتبار تحديات الإقليم التي تضغط باتجاه تسريع إتمام الاندماج. هذا جزء من مشروع أكبر للاستقرار في المنطقة، استنادا إلى أهمية سوريا الجيوسياسية والاقتصادية ودورها في أمن الطاقة والتجارة العالمية.

بالمحصلة، هناك توافق على أن أكثر الملفات حساسية بين الحكومة و”قسد” تم تجاوزها، والحديث هنا عن الجانبين العسكري والأمني، ما يعني أن بقية الملفات ستتخذ طريقها تلقائيا باتجاه الحل. وربما يمكن القول إن الاتفاق تجاوز “مرحلة المخاطر” بدفع من خطة عمل الحكومة التي أثبتت نجاحها حتى الآن، هذا من جهة، ومن جهة ثانية بدفع من تطورات الإقليم التي تريد لسوريا الدولة استعادة موقعها وحضورها في المنطقة كعامل استقرار وأمن.

وكان ملف الاندماج دخل مرحلة حاسمة بعد توقيع اتفاق جديد بين الحكومة و”قسد”، هو الثالث، في 29 كانون الثاني الماضي، بعد فشل اتفاقين سابقين، الأول في 10 آذار من العام الماضي، والثاني في منتصف كانون الثاني الماضي، بفعل تعنت “قسد” وعرقلتها مسار التنفيذ. لكن التوترات العسكرية التي افتعلتها “قسد” خلال الأشهر الأربعة الأخيرة من العام الماضي عاكست ما كانت تخطط له، وأجبرتها في نهاية المطاف على الجنوح باتجاه توقيع اتفاق جديد أوسع وأشمل لناحية عملية الاندماج ومراحل التنفيذ، وسط تحولات كبيرة شهدتها سوريا والمنطقة. ومع استمرار هذه التحولات بوتائر سريعة وسيناريوهات غير متوقعة، صبت في معظمها في خدمة الدولة السورية، فإن “قسد” لا تكاد تجد مهربا من الالتزام مهما حاولت المماطلة وافتعال العراقيل.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نائب محافظ الحسكة: خطوات قادمة لتسريع عمل المؤسسات وتعزيز حضورها ‌‏الخدمي بالمحافظة

    أكد نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلّف بتنفيذ اتفاق الـ 29 ‌‏من كانون الثاني مع “قسد” أحمد الهلالي أن العمل مستمر ...