همسة زغيب
تقف مدينة شهبا في محافظة السويداء كأنها صفحة من زمن لايزال حيّاً، ومدينةٌ وُلدت من البازلت الأسود الذي يغطي أرضها، لم تغادرها روح أجداد تركوا فيها آثارهم شاهدة على حضارة امتدت عبر القرون.
الباحث في التاريخ أمجد الحلبي أوضح لـ “الثورة السورية” أنّ مدينة شهبا تُعد من أهم المدن الأثرية، حافظت على مخططها الروماني الأصلي منذ أن أعاد الإمبراطور فيليب العربي بناء مسقط رأسه في منتصف القرن الثالث الميلادي، حين أراد لها أن تضاهي روما بفخامتها وتنظيمها.
وتكشف معالم المدينة عن طبقات زمنية متراكمة لاتزال واضحة رغم مرور السنين، حيث يقف في الجهة الجنوبية المدرج الروماني، أحد أصغر المسارح الرومانية وأكثرها محافظة على تفاصيله، شُيّد من حجارة البازلت، ما منح المكان صلابته وملامحه المميزة، وتظهر في بنائه الأقواس والممرات المقنطرة التي لاتزال تحتفظ بشكلها الأول، وتمتد إلى جانبه الحمّامات الرومانية كاشفة عن مستوى متقدم من الرفاهية، بأنظمة دقيقة للمياه الساخنة والباردة وقاعات واسعة للاستراحة، ما يعكس وعياً عمرانياً اهتم براحة الإنسان وطقوسه اليومية.
ويمتد الشارع المستقيم كعمود فقري للمدينة، مرصوفاً بالبازلت ومتصلاً بين مرافقها العامة، تحيط به أربعة أبواب رئيسة تعود إلى منتصف القرن الثالث الميلادي.
صُممت هذه البوابات بأسلوب يجمع بين القوة والجمال، لتكون مداخل تعلن للقادم مكانة شهبا وتاريخها، وإلى جانبها يبرز مبنى الكليبة، كمعبد إمبراطوري، فيما يشكّل بيت الحكيم، أو الفيليبيون، معلماً آخر يُعتقد أنه كان مدفناً للعائلة الإمبراطورية، ما يمنح المدينة بعداً إنسانياً يضيء جانباً من حياة من عاشوا فيها.
ويؤكّد الحلبي أنّ فسيفساء شهبا من أجمل ما أنتجه الفن الروماني، بزخارفها الدقيقة ومشاهدها الأسطورية المصنوعة من حجارة صغيرة، وتعد سجلاً بصرياً لحياة وثقافة تلك الحقبة.
واليوم تبدو شهبا مدينة تنبض بالحجر والذاكرة، وكنزاً حضارياً يستمر عبر الأجيال، حيث تقف حجارتها شاهدة على حضارة كتبت نفسها بصلابة البازلت وروح الإنسان.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
