بقلم : أديب مخزوم
معرض جديد للفنان محمد هدلا أفتتح اول امس ( في مقهى تقاسيم بطرطوس ) متضمنا 71 لوحة صغيرة و 13 منحوتة صغيرة تنوعت في موادها وتقنياتها ، وهذا هو العطاء الجديد في معرضه الفردي الأحدث ، ولهذا نراه يجنح وبقوة نحو إظهار الأشكال المتخيلة بحساسيات مختلفة، تصل إلى تقديم منحوتات ملونة بطريقة غير مألوفة في معارض الفنانين، وهذا يزيد من حوارية الرؤى البصرية، خلال التنقل بين اللوحة والمنحوتة .
والمشهد البحري، كان ولا يزال يطل وبقوة في بعض لوحاته المعروضة، كما أن عناصره ورموزه ( العازفات والوجوه والأجساد والورود والبيوت القديمة وغيرها ) تتنوع وتتداخل ، في خطوات البحث عن إيقاعات جمالية جديدة، فرضتها وبشكل غير مباشر أحلام وتخيلات مراحله العمرية المتعاقبة، وما ترسخ في وجدانه من رؤى وتخيلات وعناصر رمزية وايحائية قادمة من مشاهداته وتأملاته كونه أبن مدينة طرطوس القديمة .
ومن هذا المنطلق لايمكن تحليل لوحاته ومنحوتاته الجديدة، المنجزة خلال الست سنوات الأخيرة، دون العودة الى معطيات ثقافته البصرية، التي ينتمي من خلالها الى المناخ اللوني المتوسطي، الذي كان منذ بداياته ولا يزال يبحث عنه، في عودته الدائمة الى بحر طرطوس، وإلى مراكبه الراسية والمسافرة والمترقبة للسفر، لأن رموز مدينته البحرية شكلت بالنسبة اليه المنطلق، وكونت توابت خطه الفني التصاعدي والخاص، ومصدر ايحاءات الرؤى الفنية الحديثة، التي تعطي لوحاته قدرة على التجدد والإستمرار.
وفي أعماله ( الجدارية والفراغية ) يجهد في جلسات عمله الطويلة، لاعادة دورة التاريخ والحضارات، مؤكداً استمرارية الأحلام والتصورات والتخيلات، فسورية رغم مرارة الأحداث، تبقى قادرة على التجدد والانبعاث واستعادة دورها الحضاري المشرق كجسر يصل الشرق بالغرب .
هكذا يعود محمد هدلا في معرضه الجديد ، حاملاً إلينا رؤيته المتجددة، المنطلقة من الماضي الحضاري السحيق، والمتجهة نحو الحاضر والمستقبل، ليؤكد من جديد ان الحرب يمكن أن تغتال كل شيء، إلا الاحلام والقدرة في كل مرة، على الانبعاث كطائر الفينيق، من بين الرماد، والارتباط بالماضي الحضاري، الذي صنعته ملكات وأميرات الزمن الغابر في شرقنا العربي والسوري ( والساحل الفينيقي تحديداً ) .
فهو يؤكد من جديد رغبات التفاعل مع بقايا معطيات الأزمنة الغابرة، المستوحاة من علاقته المزمنة مع البقية الباقية من جمالية آثار وعمارة مدينة طرطوس القديمة المبنية من الحجر الرملي،وفي مشاهدات المعابد وبقايا القلاع والإشارات والرموز المختلفة الدلالات والتفسيرات. كل ذلك بإيقاعات وجدانية تصل بالأشكال المرسومة إلى خصوصية وأسلوبية خاصة ومميزة ومستقلة .
ومنذ أعماله الأولى اتجه محمد هدلا لإستعادة معطيات ورموز التاريخ الحضاري القديم في طرطوس وأرواد، مؤكدا قدرته على تحويل الحكاية الميثولوجية، الى لغة تشكيلية معاصرة، فالشيء الثابت في برنامج يومياته، يكمن في إيجاد حالة من العلاقة الحيوية التي تربط بين تداعيات الماضي ومعطيات الحاضر، وتوليفة المستقبل، معتمدا على الحوار اللوني الرصين والعفوي في آن واحد.
فاللوحة هنا هي فسحة للتأمل أو لبلورة الروح الجمالية لشاعرية الحكاية القادمة من عمق الأزمنة الغابرة والمنسية، حيث يستعيد الوجوه والعناصر القديمة بأشكالها المختلفة، وكل ذلك يوحي بتداخل الأزمنة، في خطوات التفاعل مع هذا الحلم الشرقي، القادم من تأملات مدينة طرطوس القديمة المعانقة للموج والأفق والمدى البحري، التي لاتزال رغم تفاقم حالات الغربة التي نعيشها، حية في نفوسنا وذاكرتنا.
ولوحاته الجديدة، تشكل امتدادا لأعماله التي عرضها في مراحل سابقة، مع حضور بعض الفروقات في توليف العناصر التاريخية ، المتفاوتة ما بين الواقعية والتعبيرية، فهو يرسم المشاهد الأثرية والوجوه والعناصر ، ويعمد الى اضافة مواد وتقنيات جديدة وعناصر كولاجية، ومن هنا تأتي الحساسية الشاعرية والقوة الأدائية في لوحاته الجديدة والسابقة أيضا .
وهو يعتمد على مبدأ الانحياز نحو الإختصار والاختزال ، في استعادة معطيات ماضي مدينته العريق. من أجل الوصول إلى حالة متداخلة بين المرئي والمحسوس، فالتخيلات الحاضنة لبعض عناصر التراث المعماري، تتحول على سبيل المثال من حالة إلى حالة، في ظل الاقتراب أو الابتعاد عن الصياغة الواقعية. فهو لايقدم لوحة توثيقية او تأريخية وإنما يميل نحو الصياغة التعبيرية التي تحافظ على قدر من الحرية والعفوية في معالجة ملامح الأشكال أو المشاهد، وأحياناً أخرى يزاوج بين مؤشرات اللونية التجريدية في الخلفيات التي تحمل كثافة لونية، وبين عناصر اللوحة التعبيرية كما في لوحات العازفات ، حيث لا فواصل ولا حدود هنا بين حضور ملامح الأشكال وبين غيابها في تجريد خلفيات اللوحة .
وهكذا نستطيع الحديث عن اختراق المظهر السطحي للاشكال المرسومة، في خطوات البحث عن التركيب الفني والتشكيلي . ومن خلال هذا التداخل بين مؤشرات الأشكال الواقعية والعناصرالتشكيلية واللونية والتجريدية في الخلفيات، يصل إلى إيقاعات إشارية ورمزية أحيانا،ً تغلب عليها لغة التلميح القادر على الايحاء بعمق وغنى وحيوية معطيات الحضارات القديمة .
ولقد أفاده سفره إلى باريس كثيراً (وجولاته في بعض متاحفها وصالاتها) في الاطلاع والانفتاح على أمور فنية كثيرة، دفعته أكثر فأكثرباتجاه إلغاء المنظور التقليدي، واستبداله بالتكوين الفني المفتوح من الطرفين أفقياً وعمودياً، لإيجاد حالات جماليات بصرية حديثة . فالمهم بالنسبة إليه أنه يستعيد إشارات المشهد أو الموضوع ،بالارتداد إلى الداخل ليخرجه من حيز صمته وليجدده أو يستنطقه بالبوح الانفعالي المباشر، ولهذا تتدرج الحركة العاطفية صعوداً وهبوطاً عبر تدرجات الحالة اللونية ، من تلك التي تتجه نحو التلقائية من خلال اللمسات المتتابعة والكثيفة، إلى المساحات الهادئة التي يغلب عليها الاداء العقلاني ، وبذلك فهو ينسج علاقة مزدوجة بين الاداء اللوني والملامح الهندسية المقروءة في الاشكال المعمارية القديمة .

(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
