بقلم: شادي أحمد
تواجه العملية التعليمية والامتحانية في سوريا هذا العام منعطفًا خطيرًا يتجاوز تداعيات الأزمة السياسية المستمرة، ليصل إلى جوهر مستقبل الأجيال الشابة وفرصها في التعليم والعمل والحياة.
فقد تحوّل استحقاق امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية من معيار وطني موحّد لتقييم الطلاب إلى مرآة تعكس الانقسام الجغرافي والسياسي القائم على الأرض السورية.
واليوم، يبدو المشهد وكأنه يفرض نوعًا من “الفيدرالية التعليمية” القسرية التي تمزق مبدأ تكافؤ الفرص، وتؤسس لأزمة بنيوية عميقة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة. ويمكن تلخيص أبرز ملامح هذه الأزمة في النقاط التالية:
أولًا: مشهد تعليمي مجزأ وغياب العدالة المكانية
يتوزع الطلاب السوريون اليوم بين ثلاثة نماذج امتحانية مختلفة لا يجمعها إطار علمي موحد.
ففي محافظة إدلب، يتقدم الطلاب إلى نموذج امتحاني خاص، وسط ملاحظات وتقارير متكررة تتحدث عن تفاوت في مستوى الأسئلة مقارنة ببقية المناطق، بما قد يمنح بعض الطلاب أفضلية غير موضوعية في تحصيل الدرجات.
وفي مناطق شمال شرق سوريا، يخضع الطلاب لامتحانات تشرف عليها السلطات المحلية هناك وفق مناهج وآليات مختلفة عن المعتمدة في بقية المحافظات.
أما بقية الطلاب فيتقدمون للامتحانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية في دمشق.
وفي خضّم هذا التشتّت، برزت أزمة طلاب محافظة السويداء بوصفها نموذجًا واضحًا لغياب العدالة التعليمية؛ إذ حُرم آلاف الطلاب داخل المحافظة من التقدم للامتحانات بسبب الظروف الأمنية والسياسية الراهنة، في حين تمكنت أعداد محدودة فقط من أداء الامتحانات بعد تحمّل تكاليف مالية مرتفعة للسفر والإقامة خارج مناطقهم.
وبذلك تحوّل الحق في التعليم والتقييم من حق دستوري يفترض أن يكون متاحًا للجميع إلى فرصة متفاوتة ترتبط بالموقع الجغرافي والقدرة الاقتصادية.
ثانيًا: إخفاق في اقتصاد التعليم وتبديد لرأس المال البشري
من منظور أكاديمي واقتصادي، يمثل هذا التفتّت أحد أبرز الإخفاقات في مجال اقتصاد التعليم.
يقوم هذا المفهوم على أن التعليم ليس مجرد خدمة عامة أو بند إنفاق حكومي، بل هو الاستثمار السيادي الأهم في بناء رأس المال البشري، أي مجموع المعارف والمهارات والقدرات التي يمتلكها الأفراد، والتي تشكل المحرك الأساسي للإنتاجية والتنمية وإعادة الإعمار.
وعندما تعجز المنظومة التعليمية عن توفير بيئة تقييم موحدة وعادلة، فإنها تسيء إدارة هذا الاستثمار الاستراتيجي.
فاقتصاد التعليم يقوم على مبدأ إتاحة الفرص وفق الجدارة والاستحقاق الحقيقي، بينما يؤدي تكريس الفروقات الجغرافية في الامتحانات إلى هدر رأس المال البشري، وتحويل التعليم من أداة للحراك الاجتماعي والتنمية إلى وسيلة لإعادة إنتاج التهميش وتعميق الفجوات المعرفية والاقتصادية بين فئات المجتمع.
ثالثًا: تشوه هيكلي في مدخلات ومخرجات التعليم الجامعي
لا تقتصر آثار الحالة الامتحانية الحالية على مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، بل تمتد مباشرة إلى منظومة التعليم العالي.
فمع بدء عمليات القبول الجامعي، ستظهر اختلالات واضحة في آليات المفاضلة بين الطلاب، نتيجة اختلاف معايير التقييم ومستويات الامتحانات بين منطقة وأخرى.
وقد يؤدي ذلك إلى وصول طلاب حصلوا على درجات مرتفعة في بيئات تقييم أقل صرامة إلى اختصاصات جامعية نوعية، مقابل تراجع فرص طلاب أكثر كفاءة واجهوا ظروفًا أكثر تعقيدًا أو معايير تقييم أشد صعوبة.
ومع مرور الوقت، قد ينعكس هذا الخلل على جودة المخرجات التعليمية وسوق العمل، بما يهدد ما تبقى من الثقة والاعتراف الأكاديمي بالشهادات السورية، ويؤثر سلبًا في قدرة المؤسسات التعليمية والمهنية على إنتاج الكفاءات الحقيقية التي يحتاجها المجتمع.
في الختام أقول:
يمثل الواقع الحالي للامتحانات في سوريا تحدياً حقيقياً لمبدأ تكافؤ الفرص في التعليم، وهو مبدأ أساسي لأي نظام تعليمي عادل وفاعل.
إن الاستمرار في هذا المسار لا يؤدي فقط إلى تجزئة المناهج والامتحانات، بل يهدّد أيضًا بتجزئة الفرص والمستقبل، ويفرض على المجتمع السوري أعباءً اجتماعية ومعرفية واقتصادية قد تستمر آثارها لعقود.
فالتعليم ليس مجرد عملية إدارية أو امتحان سنوي، بل هو أحد أهم الأسس التي تقوم عليها وحدة المجتمع ومستقبل الدولة، وأي خلل في عدالته ستكون كلفته باهظة على الأجيال القادمة

(موقع: أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

