هلال عون
تشكل التجربة التركية بالتوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة نموذجاً إقليمياً يمكن الاستفادة منه في رسم سياسات الطاقة المستقبلية في سوريا، لا سيما في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الأخضر، وارتفاع تكاليف الوقود الأحفوري، وتزايد الضغوط البيئية والمناخية.
وأظهرت بيانات رسمية أن تركيا نجحت في رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى أكثر من 72 بالمئة من إجمالي إنتاج الكهرباء خلال شهر أيار الماضي، وهو رقم قياسي يعكس حجم الاستثمارات والتخطيط طويل الأمد الذي اعتمدته أنقرة خلال العقدين الماضيين.
وتعد هذه القفزة دعماً مباشراً للنمو الاقتصادي، وتقليص فاتورة استيراد الطاقة، وتعزيز الأمن الطاقي.
وبالنسبة إلى سوريا، أصبحت مسألة التحول نحو الطاقة المتجددة ضرورة اقتصادية وتنموية واستراتيجية، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الكهرباء، وما يتركه ضعف التغذية الكهربائية من آثار مباشرة على الصناعة والزراعة والخدمات ومستويات المعيشة.
وفي هذا الإطار، تبدو التجربة التركية جديرة بالاستفادة، نظراً إلى تشابه الموارد الطبيعية بين البلدين، وما يتيحه ذلك من فرص لتطوير قطاع الطاقة المتجددة في سوريا.
معالجة جذرية
بحسب بيانات وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية، سجلت الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري مستويات قياسية في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، حيث بلغت مساهمة الطاقة الكهرومائية 46.4 مليار كيلو واط ساعي، وطاقة الرياح 18 مليار كيلو واط ساعي، والطاقة الشمسية 14.2 مليار كيلو واط ساعي.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش، أن “الاقتصاد السوري لا يستطيع تحقيق نمو حقيقي ومستدام من دون معالجة جذرية لأزمة الطاقة، لأن الكهرباء أصبحت عنصراً أساسياً في تكلفة الإنتاج وفي قدرة المنشآت الصناعية على الاستمرار والمنافسة”.
وأكد عايش لصحيفة “الثورة السورية” أن الطاقة المتجددة قادرة على تخفيف جزء مهم من أعباء الإنتاج، خاصة بالنسبة إلى الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أن التحول نحو الطاقة المتجددة بات يمثل خياراً استراتيجياً للدول الساعية إلى تعزيز أمنها الطاقي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية، موضحاً أن التجربتين التركية والأردنية تقدمان نموذجين مهمين يمكن لسوريا الاستفادة منهما خلال مرحلة إعادة التعافي الاقتصادي.
وأوضح أن تركيا نجحت في رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى مستويات متقدمة، الأمر الذي أسهم في خفض فاتورة استيراد النفط والغاز وتقليل الضغط على العملات الأجنبية، إضافة إلى دعم استقرار سعر الصرف وتعزيز تنافسية الاقتصاد والصادرات التركية.
كما لفت إلى أن الأردن حقق بدوره تقدماً لافتاً في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما أتاح له تحقيق فائض كهربائي والدخول في مشاريع ربط وتبادل كهربائي مع عدد من دول المنطقة، معتبراً أن هذه التجربة تحمل فرصاً مهمة لسوريا في مجال تطوير البنية التحتية الكهربائية والطاقة النظيفة.
وأضاف عايش أن توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة في سوريا من شأنه أن يحقق جملة من المكاسب الاقتصادية، أبرزها ضمان استدامة توليد الكهرباء، وتخفيف الاعتماد على النفط والغاز في إنتاج الطاقة، وتقليل الكلف التشغيلية على القطاعات الصناعية والخدمية، إضافة إلى تخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين.
وسيسهم تطوير قطاع الطاقة المتجددة أيضاً في دعم التحول الرقمي وتطوير البنية التكنولوجية، لارتباط الكهرباء بشكل مباشر بمراكز البيانات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، ما يجعل هذا القطاع أحد المحركات الأساسية لعملية التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة في سوريا خلال المرحلة المقبلة، وفق عايش.
مقومات طبيعية وشروط
أظهرت بيانات شركة تشغيل أسواق الطاقة التركية أن شهر أيار شهد تراجعاً ملحوظاً في حصة الفحم من إنتاج الكهرباء، لتبلغ 17 بالمئة فقط، وهو أدنى مستوى لها منذ 22 عاماً.
وأكد عايش أن سوريا تمتلك مقومات طبيعية مهمة تؤهلها لإنتاج نسبة كبيرة من احتياجاتها الكهربائية من مصادر متجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فمعدلات السطوع الشمسي في معظم المناطق السورية تُعد من الأعلى إقليمياً، إذ تتجاوز في كثير من المحافظات 300 يوم مشمس سنوياً، إضافة إلى وجود مناطق تتمتع برياح مناسبة لإقامة مشاريع توليد كهربائي، لا سيما في المناطق الساحلية والوسطى والبادية السورية.
كما أن التوسع في الطاقة المتجددة ينسجم مع الحاجة الملحة لإعادة بناء البنية التحتية للطاقة بأساليب حديثة وأكثر كفاءة وأقل كلفة على المدى الطويل، بدلاً من الاعتماد الحصري على محطات التوليد التقليدية التي تتطلب كميات ضخمة من الوقود وقطع التبديل والاستثمارات الثقيلة.
ويرى عايش أن الوصول إلى إنتاج مهم من الطاقة المتجددة في سوريا يحتاج إلى مجموعة مترابطة من الشروط والسياسات والإجراءات العملية.
أول هذه المتطلبات، وفق عايش، يتمثل في وضع استراتيجية وطنية واضحة للطاقة المتجددة تمتد لعشر أو عشرين سنة، تحدد الأهداف الكمية لمساهمة الطاقة النظيفة في إنتاج الكهرباء، وآليات التمويل، وأولويات التنفيذ، ودور القطاعين العام والخاص في هذا التحول.
وأوضح أن النجاحات العالمية في هذا المجال تحققت عبر خطط طويلة الأمد، وتشريعات مستقرة، وحوافز استثمارية واضحة تمنح المستثمرين الثقة والقدرة على التخطيط.
كما تحتاج سوريا إلى تحديث الإطار التشريعي الناظم للاستثمار في الكهرباء والطاقة المتجددة، بما يسمح بإقامة مشاريع خاصة ومتوسطة وكبيرة، وتسهيل إجراءات الترخيص والربط على الشبكة، وتقديم حوافز ضريبية وجمركية للمعدات والتقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ويعد التمويل من أبرز التحديات في هذا القطاع، نظراً إلى ارتفاع الكلفة الأولية لمشاريع الطاقة الشمسية والريحية، رغم انخفاض تكاليف التشغيل لاحقاً.
لذلك فإن توفير قروض ميسرة، وتشجيع المصارف على تمويل المشاريع الخضراء، واستقطاب استثمارات عربية ودولية، سيكون عاملاً أساسياً في تسريع التحول الطاقي، وفق عايش.
فرصة التمويل الدولي
غطت محطتا طاقة الرياح والطاقة الشمسية نحو 23 بالمئة من إجمالي إنتاج الكهرباء في تركيا خلال أيار، لتتفوقا للشهر الثاني على التوالي على محطات الفحم.
وأسهمت محطات الطاقة الكهرومائية بدور رئيسي في تحقيق هذا الأداء، مدفوعة بهطولات مطرية غزيرة تجاوزت المعدلات الموسمية، ما أدى إلى ارتفاع إنتاجها بنسبة 58 بالمئة مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي.
من جهته، يشير رجل الأعمال والخبير الاقتصادي أحمد الزيات، إلى أن “الطاقة المتجددة أصبحت قطاعاً استثمارياً قادراً على خلق فرص عمل واسعة وتحريك الصناعات المحلية المرتبطة به”، مضيفاً أن “دخول سوريا التدريجي في الاقتصاد الأخضر سيمنحها فرصاً أفضل للحصول على التمويل الدولي مستقبلاً”.
ورأى الزيات أن الطاقة بمختلف أنواعها تعد المحرك الأول لأي اقتصاد ناجح، موضحاً أن التجربة التركية قامت على سياسات هدفت إلى تشجيع الصناعات على التحول التدريجي نحو مصادر طاقة أقل كلفة وأكثر استدامة.
وأضاف أن تركيا تفرض رسوماً مرتفعة على المازوت بهدف دفع الصناعات التي تعتمد عليه إلى البحث عن بدائل أخرى للطاقة، الأمر الذي أسهم في توسيع الاعتماد على الكهرباء والطاقة المتجددة داخل القطاع الصناعي.
وأوضح أن الحكومات التي نجحت في بناء قاعدة صناعية قوية كانت حريصة على تخفيض تكاليف الطاقة بالنسبة للمنتجين، مستشهداً بتجارب دول مثل السعودية وإندونيسيا التين قدمتا دعماً واسعاً لقطاع الصناعة والطاقة، ما انعكس مباشرة على انخفاض تكاليف الإنتاج وزيادة القدرة التنافسية.
وأكد أن نجاح التجربة التركية الصناعية ارتبط أيضاً بدعم الكهرباء، خاصة للمشاريع التي تعتمد على مصادر الطاقة المتجددة، ما أسهم في خفض تكاليف الإنتاج وتحسين تنافسية المنتجات التركية في الأسواق العالمية.
ولفت إلى أن من المتطلبات الأساسية أيضاً تطوير شبكة النقل والتوزيع الكهربائية، لأن إدخال نسب مرتفعة من الطاقة المتجددة يحتاج إلى شبكات حديثة ومرنة قادرة على استيعاب تغيرات الإنتاج بين ساعات النهار والليل أو بين الفصول المختلفة.
كما أن نجاح تجربة الطاقة المتجددة يتطلب الاستثمار في تقنيات التخزين الكهربائي، خاصة البطاريات الحديثة، لضمان استقرار التغذية الكهربائية وتحقيق الاستفادة القصوى من الإنتاج الشمسي والريحي.
إلى جانب ذلك، لا بد من توطين جزء من الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، سواء في مجال الألواح الشمسية أو الهياكل المعدنية أو الكابلات أو تجهيزات الربط، لأن ذلك يخلق قيمة مضافة محلية، ويخفف فاتورة الاستيراد، ويوفر فرص عمل جديدة للمهندسين والفنيين والعمال، وفق الزيات.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة يحمل فوائد كبيرة ومتعددة، وفي مقدمتها تخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتقليص الضغط على القطع الأجنبي، وتحسين استقرار التغذية الكهربائية، بما ينعكس على النشاط الصناعي والزراعي والخدمي.
وتتيح الطاقة المتجددة فرصاً مهمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، خاصة في المناطق الريفية والزراعية، حيث يمكن استخدام الطاقة الشمسية في ضخ المياه وتشغيل منشآت التصنيع الزراعي والبرادات والمشاريع الحرفية.
أما على المستوى البيئي، فإن التحول نحو الطاقة المتجددة يسهم في تخفيض الانبعاثات الملوثة وتحسين نوعية الهواء، والحد من الآثار الصحية الناجمة عن استخدام الوقود التقليدي، خاصة في المدن والمناطق الصناعية.
وفي ظل التوجه العالمي نحو فرض معايير بيئية على المنتجات الصناعية، فإن امتلاك مصادر طاقة نظيفة سيعزز القدرة التصديرية للصناعات السورية مستقبلاً، ويجنبها قيوداً محتملة مرتبطة بالبصمة الكربونية.
ويرى الزيات أن التجربة التركية تؤكد أن الاستثمار في الطاقة المتجددة هو خيار اقتصادي استراتيجي ينعكس مباشرة على النمو والاستقرار والأمن الوطني. وسوريا، بما تمتلكه من موارد طبيعية وكفاءات بشرية، قادرة على بناء قطاع متطور للطاقة النظيفة إذا توفرت الرؤية الواضحة والإرادة الاستثمارية والتشريعات المناسبة.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

