مالك صقور
قبل أن ينتهي المحللون من تحليل نتائج زيارة رئيس أمريكا إلى الصين، وبعد أربعة أيام فقط، تحوّلوا إلى عرض وتحليل زيارة رئيس روسيا إلى الصين أيضًا، وبدأت التوقعات والقراءات المختلفة لزيارة الرئيس الروسي مباشرة بعد زيارة الرئيس الأمريكي. ومن تلك التوقعات محاولة الإعلان عن ولادة أو تشكّل عالم متعدد الأقطاب، لا سيما بعد فشل أمريكا في حربها على إيران، التي أطلقت عليها: «الغضب الملحمي»، بينما أطلقت إسرائيل عليها: «زئير الأسد».
وبقيت الصين، كما عهدناها، تعمل بثبات وجدية، فارضةً وجودها على الساحة الدولية، محاولةً إعادة إحياء طريق الحرير القديم تحت عنوان جديد هو: «الحزام والطريق»، وهو المشروع الذي أعلن عنه الرئيس الصيني جين بينغ عام 2013. وهذا مشروع كبير يهدف إلى ربط آسيا وأوروبا وأفريقيا بشبكة واسعة من الطرق، والسكك الحديدية، والموانئ، وخطوط الطاقة، والتجارة، والاستثمارات، وهو — كما سبق — مستوحى رمزيًا من «طريق الحرير» التاريخي القديم.
فماذا يعني «الحزام»؟
يُقصد به «الحزام الاقتصادي لطريق الحرير»، وهو شبكة الطرق البرية التي تمتد من الصين عبر آسيا الوسطى وروسيا والشرق الأوسط وصولًا إلى أوروبا، أي «حزام» من الممرات الاقتصادية البرية.
وماذا يعني «الطريق»؟
يُقصد به «طريق الحرير البحري»، أي الخطوط البحرية التي تربط الموانئ الصينية بجنوب شرق آسيا، ثم المحيط الهندي، والخليج العربي، والبحر الأحمر، وقناة السويس، والبحر الأبيض المتوسط، وصولًا إلى أوروبا.
وهذا لا يعني طريقًا بالمفهوم المباشر لكلمة «طريق»، بل مشروعًا ضخمًا لشبكة عالمية هائلة للبنية التحتية في مجالات التجارة والاقتصاد والاستثمار.
وتعلن الصين أن الهدف من هذا المشروع هو تسهيل التبادل التجاري، وتحسين وسائل النقل، وربط الاقتصاد العالمي، وتحقيق التنمية المشتركة.
لكن خصوم الصين، وخاصة الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها، يرون أن هذا المشروع يمنح الصين نفوذًا سياسيًا واسعًا وكبيرًا، كما يجعل بعض الدول مرتبطة ومديونة اقتصاديًا للصين، الأمر الذي يحوّل الموانئ والطرق إلى أدوات نفوذ استراتيجي وسياسي للصين. لذلك، تعتبر أمريكا أن مشروع «الحزام والطريق» ليس مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا جيوسياسيًا بامتياز.
ويمكن القول: إذا كان طريق الحرير القديم تسلكه القوافل، فإن «الحزام والطريق» تسلكه اليوم القطارات العملاقة، والسفن الكبيرة، والاستثمارات الصينية.
وبهذا المعنى، فإن الصين لا تشقّ طرقًا وتضع حزامًا فحسب، بل تحاول إعادة رسم خريطة العالم بهدوء.
واليوم، إذا كان السؤال: من سينجح في هذا الصراع المحتدم بين المشروعين الصيني والأمريكي؟ فإن الجواب أعقد من انتصار طرف وهزيمة آخر بصورة كاملة، لكن المؤكد أن العالم يقف أمام تحوّل تاريخي مصيري طويل، وليس أمام معركة قصيرة.
لكن الفرق الأساسي بين الصين وأمريكا أن أمريكا اعتادت قيادة العالم بالقوة العسكرية والسياسية، أما الصين فتبني علاقاتها عبر الاقتصاد والتجارة والاستثمار. ولهذا يصف بعض الباحثين المشهد بين أمريكا والصين على النحو الآتي:
أمريكا تتحرك كقوة تخشى فقدان الصدارة والسيادة في العالم، أما الصين فتتقدم كقوة استراتيجية واثقة بأن الزمن يعمل لصالحها.
وأخيرًا، أيُّ نموذج سيقنع شعوب العالم؟
هل هو نموذج القوة العسكرية، والغزو، والاحتلال؟
أم نموذج التنمية، والتجارة، والصداقة، والتعايش السلمي؟
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
