فردوس دياب
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً حادثتين لوفاة أُمَّين نتيجة أخطاء طبية، أثارتا موجة انتقادات وأعادتا فتح ملف الأخطاء الطبية في بعض المؤسسات الصحية.
الحادثة الأولى تعود لأم توفيت بعد ساعات من ولادة طفلها الأول في إدلب، إذ تتهم عائلتها الكادر الطبي المشرف بـ “الإهمال الجسيم”، إضافة إلى انتهاك خصوصيتها بتسريب صور لها من غرفة العناية المشددة.
وبحسب ما تناقلته العائلة، فإن الأم دخلت المستشفى فجراً تعاني آلام المخاض، لكن الطبيبة المشرفة أعادتها إلى المنزل.
عادت الأم مساءً، ولم تصل الطبيبة إلا بعد عدة ساعات لتبدأ إجراءات تحريض مخاض وريدي، تصفها العائلة بأنها تمت بشكل مفاجئ وبدون مراقبة حيوية، ما أدى إلى تدهور حالتها ووفاتها بعد الولادة مباشرة.
أما الحادثة الثانية، فتعود لأم في مقتبل العمر من حلب ولديها ثلاثة أطفال، دخلت المستشفى لإجراء عملية جراحية استمرت عدة ساعات، لكنها خرجت جثة هامدة.
كشف تحقيق مبدئي تم تداول نتائجه أن المريضة خضعت لنوعين من التخدير في العملية نفسها، وهما تخدير موضعي وتخدير كامل معاً، من دون وجود طبيب عناية مركزة أو اختصاصي قلب أو أعصاب، كما أن الإجراءات الإسعافية كانت بطيئة، في حين أن هذا النوع من التخدير يتطلب مراقبة دقيقة واختياراً مضبوطاً للجرعات، مع إخطار وحدة العناية المركزة مسبقاً تحسباً لأي مضاعفات.
مهما اختلفت تفاصيل هاتين الحالتين، وبغض النظر عن ثبوت الخطأ الطبي فيهما من عدمه، فإنهما تضعان المجتمع السوري أمام تساؤلات متكافئة الأطراف، حول مدى توافر معايير السلامة الطبية في بعض المؤسسات الصحية الخاصة، وحقوق المرضى وعائلاتهم في المعرفة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه حق الطرف الآخر (الكادر الطبي) في الدفاع عن نفسه وإثبات براءته حتى تثبت إدانته، فكيف يعرف القانون السوري الخطأ الطبي وماهي العقوبات التي يفرضها.
العقوبة تصل إلى 10 سنوات
الخطأ الطبي هو انحراف الطبيب عن السلوك الطبي العادي والمألوف، وما يقتضيه من يقظة وحذر، إلى درجة يهمل فيها الطبيب مريضه ما يسبب إلحاق الضرر به، بحسب المحامي تامر الجميل لـ “الثورة السورية”.
وأضاف، أن القضاء والفقه القانوني في سوريا يعتبران أن التزام الطبيب تجاه مريضه هو التزام ببذل العناية، أي أنه يتوجب على الطبيب أن يبذل قصارى جهوده الصادقة المتفقة مع أصول الطب والقواعد الطبية المتبعة.
ويحصل الخطأ الطبي عادة جراء تقصير أو إهمال من قبل الطبيب المداوي أو الجراح أو طبيب التخدير أو باقي التخصصات، ويسأل الطبيب عن خطئه أياً كان جسامته عندما يرتكب تقصيراً في سلوكه الطبي لا يتفق مع ما يفعله طبيب يقظ وجد في نفس الظروف الخاصة التي أحاطت بالطبيب المسؤول مع مراعاة ذات التخصص.
واستعرض الجميل أهم الأخطاء الطبية الشائعة من وجهة نظر قانونية، ومنها، الخطأ في تشخيص المرض، والخطأ في العلاج، ذلك أن الطبيب له الحرية في اختيار طريقة العلاج لكن ذلك مقيد إذا تعرض المريض للخطر أو للتجربة، هذا بالإضافة إلى أخطاء التخدير التي أشار إليها القانون بوصفها تقع أثناء تنفيذ العمليات الجراحية حيث يسأل عنها طبيب التخدير، كالخطأ في تقدير كمية البنج أو طريقة التخدير.
كما اوضح، أخطاء الجراح، وهي النوع الشائع كما في حالة نسيان أداة جراحية (مشرط ، مقص، شاش ) في جسم المريض، أو إهمال تنظيف الجرح وخياطته بشكل جيد، أو استئصال عضو صالح عوضاً عن العضو التالف، وكذلك هناك أخطاء التعقيم التي تعاني منها أغلبية المستشفيات والعيادات، وتقع جراء استعمال أدوات جراحية غير معقمة من الطبيب أو الجراح أو عدم تعقيم غرف العمليات جيداً، وتحدث أحياناً في عيادات أطباء الأسنان.
كما أشار الجميل، إلى أسباب الأخطاء الطبية، والتي تتمثل في الإهمال الفاضح، وضعف الكفاءة لدى بعض الأطباء، وعدم الانتباه والحذر، وعدم الالتزام بالقوانين والأنظمة الصحية، وإهمال التعقيم، إضافة الى جشع بعض الأطباء وسعيهم وراء زيادة دخلهم من خلال عيادتهم الخاصة على حساب صحة مرضاهم في المستشفيات العامة، وكذلك التقصير والإهمال الذي يتصف به بعض أفراد الكادر التمريضي في المستشفيات العامة.
وعرف الجميل، المسؤولية القانونية، بأنها حالة الشخص الذي ارتكب أمرا يستوجب المؤاخذة، مشيرا الى أن المشرع السوري تبنى مبدأ ” لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني” كما أخذ بمبدأ براءة المتهم حتى يدان بحكم قضائي مبرم، وكفل حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء.
وأوضح الجميل، أن المادة (543) من قانون العقوبات السوري تنص على أنه في حالة سبب الإيذاء عاهة دائمة أو بتر عضو أو تشويه جسم أو تعطيل حاسة، يعاقب مسبب الضرر بالأشغال الشاقة المؤقتة عشر سنوات على الأكثر، كما أن المادة (550) من نفس القانون تنص على أن من تسبب بموت أحد عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين والأنظمة، عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاثة سنوات، ويملك القاضي صلاحية تقدير وإعطاء الأسباب المخففة التقديرية إن رأى لزوم ذلك.
وأضاف، قانون العقوبات السوري تناول الخطأ بشكل عام في المادتين (189) و (190)، حيث نصت المادة (189) على أنه: ” إذا نجم الفعل الضار عن الإهمال أو قلة الاحتراز أو عدم مراعاة الشرائع والأنظمة”، فيما نصت المادة (190) على أن: “تكون الجريمة غير مقصودة سواء لم يتوقع الفاعل نتيجة فعله أم عدم فعله المخطئين، وكان باستطاعته أو من واجبه أن يتوقعها وسواء توقعها فحسب أن بإمكانه اجتنابها”.
وبيّن أن قانون مزاولة المهن الطبية في سوريا، الذي صدر بالمرسوم التشريعي رقم / 12 / لعام 1970 م يتضمن تنظيم مهنة الطب في سوريا، وحدد واجبات الأطباء وحقوقهم، منوهاً بأن المادة الثانية من التنظيم الداخلي لنقابة الأطباء تنص على أن مهنة الطب مهنة إنسانية وأخلاقية توجب على الطبيب التحلي بروح التضحية وبالأخلاق السامية، لكنه أقر بوجود نسبة قليلة من الأطباء تخطئ.
كما حددت المادة / 66 / من القانون / 31 / المتضمن التنظيم النقابي للأطباء البشريين في سوريا، وجود مجلس تأديبي في كل فرع بالمحافظات يتولى محاكمة الأطباء المخلين بواجباتهم المهنية.
وذكر الجميل أن أخطاء الطبيب بشكل عام تدخل ضمن الجرائم الغير مقصودة، خاصة وأن المشرع أدخلها بطريق غير مباشر في أعمال الخطأ، وعليه يلاحق الطبيب في حالة ارتكابه الخطأ الطبي أمام القضاء الجزائي حسب النتيجة الجرمية، فيحاكم أمام محكمة صلح الجزاء في حالة التسبب بالإيذاء للمريض، وأمام محكمة بداية الجزاء في حالة سبب إهماله بوفاة المريض، وفي حالة ارتكابه القتل القصد يلاحق أمام قاضي التحقيق ثم قاضي الإحالة تمهيداً لمحاكمته لأمام محكمة الجنايات.
وختم الجميل بالقول إن الطبيب المخالف يلاحق بدعوى الحق العام، ويستطيع المضرور أو وليه الادعاء شخصياً أو تقديم شكوى، وبذلك تحرك النيابة العامة دعوى الحق العام وتدعي على الطبيب المسؤول عن الخطأ الطبي.
ضعف التقييم وقلة الخبرة
في توضيح عملي للخطأ الطبي الذي يستوجب المحاسبة، شرح الاختصاصي في الأمراض النسائية الدكتور أحمد العلي، في حديثه لـ “الثورة السورية”، أن الأخطاء الطبية التي تحدث أثناء العمليات الجراحية تُعد من أخطر الأخطاء، وتأتي في عملية التخدير قبل العمل الجراحي كأخطر مرحلة، وغالباً الخطأ فيها يأتي نتيجة سلسلة متراكمة من الإخفاقات التنظيمية أو البشرية أو التقنية التي تبدأ قبل دخول غرفة العمليات.
وتتمثل هذه الإخفاقات الأولية في ضعف التقييم المسبق لحالة المريض، ويتجلى ذلك في تجاهل التاريخ المرضى الكامل، بما يشمل أمراض القلب أو الرئة أو الحساسية والضغط والسكري.
كما يتضمن ضعف التقييم عدم فحص وظائف القلب والتنفس قبل إجراء التخدير، إضافة إلى إهمال مراجعة الأدوية التي يتناولها المريض بشكل منتظم.
وتتضاعف خطورة هذه الإخفاقات بشكل خاص لدى فئات المرضى الأكثر حساسية، وعلى رأسهم كبار السن ومرضى القلب والأشخاص الذين يعانون من السمنة، ما يجعل التقييم الدقيق والمسبق لهم ضرورة حتمية لتفادي هذه الأخطار وفق ما أوضحه الدكتور العلي.
وأوضح أن قلة الخبرة أو سوء التدريب تمثلان سبباً خطيراً في حدوث الأخطاء الطبية، فهما يجعلان الطاقم الطبي غير قادر على التعامل مع المضاعفات المفاجئة أو اتباع بروتوكولات الإنعاش الحديثة، خاصة في حالات التخدير المزدوج خلال العمليات الكبيرة.
ويشير العلي إلى أن غياب التواصل بين الجراح وطبيب التخدير يُعد خللاً مهنياً كبيراً، ويتطلب الأمر تنسيقاً كاملاً بينهما، مع مناقشة المخاطر ووضع خطة طوارئ واضحة قبل أي تدخل جراحي.
ومن الممارسات الخطيرة التي قد تؤدي إلى الوفاة، الاستهتار بتجاهل علامات الخطر مثل انخفاض الأوكسجين، واستمرار العملية رغم اضطراب العلامات الحيوية دون تدخل سريع، وعدم إيقاف التخدير عند ظهور المضاعفات.
كما يوضح أن نقص التجهيزات أو غياب فريق الدعم، كطبيب عناية مركزة أو اختصاصي قلب وفريق إنعاش جاهز، يُعتبر تقصيراً طبياً صريحاً، خاصة في الحالات عالية الخطورة التي تستدعي استعداداً استثنائياً.
تبقى الأخطاء الطبية واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في المجتمعات، فهي تجمع بين الألم الجسدي والفاجعة النفسية، فهل القوانين وحدها كافية لردع المخطئين؟ أم أن الحاجة ملحة لثقافة طبية قائمة على التقييم الدقيق، والتدريب المستمر، والتنسيق الكامل بين الكوادر، وتوفير التجهيزات اللازمة؟
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
