القاهرة | استبق الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إعلان خوضه سباق الانتخابات الرئاسية، بإقرار حزمة إجراءات اقتصادية جديدة، على رأسها زيادة الأجور والمعاشات التقاعدية، إلى جانب زيادة بدل التدريب والتكنولوجيا للصحافيين. وإذ أتى هذا الإعلان خلال جولة لافتتاح عدد من المشروعات في إحدى قرى محافظة بني سويف في صعيد مصر، وذلك في إطار مبادرة «حياة كريمة» التي أطلقها السيسي قبل 4 سنوات، فقد بدا استلهاماً لنهج الرئيس الأسبق، حسني مبارك، وخصوصاً لناحية اصطناع حالة من الودّ المتبادل مع المواطنين، وهو ما جلّته زيارة «مدبَّرة» إلى منزل عائلة مصرية، صُوّرت على أنها استجابة من الرئيس لدعوة من الأخيرة، بينما في الواقع جرى التخطيط لها مسبقاً من قِبل الأجهزة الأمنية والاستخبارات التي تقيم في القرية التي تقطنها العائلة منذ ما يزيد على أسبوعَين. في كلمته خلال الجولة، «بشّر» السيسي بأن البلاد باتت على بُعد خطوات قليلة من الانفراجة، معلناً سلسلة خطوات – لتخفيف العبء الاقتصادي عن المواطنين – بدت أقرب إلى «الرشى الانتخابية» منها إلى الحلول الجدّية، وخصوصاً أنه أعلنها بشكل منفرد وغير مدروس، علماً أن كلفتها تُقدَّر بنحو 30 مليار جنيه، ستموَّل من خلال صندوق خاص بالموازنة، في وقت يسجّل فيه التضخّم أعلى مستويات له على الإطلاق. كما أن هذه القرارات المفاجئة خلت من جداول زمنية لتنفيذها، ومن تفاصيل واضحة حولها، وخصوصاً في ما يتعلّق ببدل التدريب للصحافيين وإسقاط فوائد الديون على الفلاحين المقترضين من البنك الزراعي، وغير ذلك من الأسئلة التي لم تنل إجابة حتى بعد مرور وقت على إعلان الإجراءات، باستثناء قرار رفع حدّ الإعفاء الضريبي والذي عُلم أنه سيصل إلى 45 ألف جنيه. على أن هذا القرار بالذات يتطلّب موافقة البرلمان، وهو ما يعني أن المسألة، ولو كانت جادّة، فلن تدخل حيّز التنفيذ حتى الشهر المقبل على الأقلّ، مع عودة انعقاد مجلس النواب.

وأيّاً يكن، فإن الزيادات المنتظَرة ستُلتهم على الفور مع أوّل تحريك لأسعار المحروقات متوقَّع مطلع الشهر المقبل. فعلى الرغم من تحوّط الحكومة الاقتصادي، عبر شراء غالبية احتياجاتها من النفط على سعر يُراوح بين 75 و80 دولاراً للبرميل قبل أسابيع، إلا أن الموازنة الحالية ستشهد تغيّرات عديدة، ليس فقط بسبب قرارات الرئيس، ولكن للانخفاض المتوقّع في قيمة الجنيه، والذي دفع الحكومة إلى زيادة عدد الشركات التي سيتمّ إدراجها ضمن عمليات البيع، للمرّة الثانية، لتكون 40 بدلاً من 29. ومن هنا، يبدو أن السلطات تتخبّط في كيفية التعامل مع الأزمة الاقتصادية، وهو ما دفع رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب إلى ترجيح وجود مزيد من الإجراءات في ما يتعلّق بزيادة الرواتب والمعاشات والإعفاءات الضريبية بحلول نهاية العام المالي الحالي وضمن موازنة العام المقبل، والتي سيعمل البرلمان على مناقشتها في شهر كانون الثاني.

ما يراه السيسي «انفراجة» على بُعد خطوات، يراه الاقتصاديون على بُعد مسافات كبيرة

على أن الزيادات الجديدة المنتظَرة لن تُحدث أيّ تحوّلات جوهرية في الوضع الاقتصادي، ليس فقط لكونها لا تمسّ الشريحة الأكبر من المواطنين باستهدافها أقلّ من 20% فقط من المصريين، ولكن أيضاً لعدم قدرة النظام على إلزام جميع الجهات والهيئات بتطبيقها، لتقتصر العلاوات على موظفي المؤسسات الحكومية، التي أُغلق باب التعيينات فيها أمام جيل كامل من الشباب منذ وصول السيسي إلى السلطة قبل 10 سنوات. يُضاف إلى ذلك، أن الحدّ الأدنى للأجور في القطاع الحكومي سيصل بعد زيادته إلى نحو 4 آلاف جنيه، ما يعادل نحو 100 دولار في السوق الموازية، بينما كان مع وصول السيسي إلى السلطة يمثّل نحو 160 دولاراً، الأمر الذي يعكس إخفاق السياسات الاقتصادية التي يطبّقها في تحقيق جودة حياة المواطن المصري كما يحاول الترويج دائماً.
بالنتيجة، ما يراه السيسي «انفراجة» على بُعد خطوات، يراه الاقتصاديون على بعد مسافات كبيرة، بسبب استمرار عجز الموازنة وأعباء الديون، حتى مع التوقف عن الشروع في مشاريع ضخمة، واستكمال التي بُدئ فيها فقط، وشحّ المنتجات في الأسواق المصرية، والازدياد المستمرّ في أسعارها، ومن بينها أسعار الخضر والفاكهة نتيجة زيادة الصادرات الزراعية إلى الخارج، أملاً في توفير العملة الصعبة، وهو ما أدّى إلى نقص واضح في السوق المحلّية، لم تتدخّل الحكومة لمعالجته حتى الآن. كما طال النقص الحادّ الأدوية المستوردة، ما أجبر المرضى على استخدام البدائل المحلّية حتى لو كانت أقلّ فعالية بكثير من تلك المستوردة التي قفزت أسعارها بصورة غير مسبوقة نتيجة إدخالها بشكل فردي أو مهرَّبة.

وعلى الرغم من أن خطوة تحريك سعر الصرف غير متوقّعة قبل إجراء الانتخابات الرئاسية، إلّا أن المخاوف تتصاعد من سلسلة الإجراءات التي ستَعقب الانتخابات، وتداعياتها على الوضع الاقتصادي المتردّي منذ سنوات أصلاً.