آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » الصندوق الأسود للامتحانات في سوريا..!!!

الصندوق الأسود للامتحانات في سوريا..!!!

 

 

نسرين جهاد حسن

 

ترددت كثيرًا قبل أن أكتب هذه السطور، ثم سألت نفسي: من أولى مني بالحديث عن هذا الملف؟

 

أنا المعلمة الحالمة التي أُقصيت من عملها في ربيع عام 2011 بتهمة التحريض على “ثورة أطفال”. ولعل من حقي اليوم أن أحرّض على ثورة من نوع آخر؛ ثورة تعليمية حقيقية تعيد للتعليم في سوريا رسالته، وتمنحه المعنى الذي افتقده على مدى سنوات.

 

ما شهدناه بالأمس، بعد انتظار طويل ومرير لإعلان نتائج الثانوية العامة، لم يكن مجرد خلل تقني في تطبيق إلكتروني، بل كان عرضًا لأزمة أعمق بكثير. تطبيق يتعطل، وأخطاء بالجملة، وآلاف الطلاب وأسرهم يعيشون ساعات من القلق والارتباك. لكن المشكلة الحقيقية ليست في التطبيق وحسب، بل في المنظومة التي جعلت مصير جيل كامل رهينة شاشة لا تعمل، وبيانات لا أحد يعرف أين تُخزَّن، هذا إن كانت مخزنة.

 

لن أطيل الحديث عن غياب الشفافية في إدارة امتحانات الشهادات العامة، ولا عن استمرار نقل أوراق الإجابة بين المحافظات، في مشهد يوحي، بطريقة أو بأخرى، بأن الوزارة نفسها لا تثق بمنظومتها التعليمية ولا بكوادرها. وكأن الحل يكمن في ترحيل الأوراق، لا في إصلاح المؤسسة التي تنتجها.

 

فمجرد الحديث، بعد ما حصل البارحة من كارثة وطنية غير مسبوقة، يُعد ترفًا؛ لأن ما حصل له إجراء واحد فقط مناسب: إقالة الوزير، وفتح تحقيق شفاف وموسع في كل حيثيات ومسار العملية الامتحانية، وتقديم ما يثبت أن بيانات الطلاب وجزءًا من أوراقهم لم يتعرضا للضياع أو التلف.

 

بعد أن ننتهي من ذلك، سيواجهنا سؤال جوهري كبير:

 

ما جدوى المرحلة الثانوية في سوريا بصورتها الحالية؟

 

ماذا تضيف هذه السنوات الثلاث إلى الطالب؟ وهل تسهم فعلًا في بناء شخصيته، وصقل مهاراته، واكتشاف مواهبه، وإعداده للحياة؟ أم أنها تحولت إلى سباق طويل نحو امتحان واحد، يُختزل فيه كل شيء، ويُقاس فيه مستقبل الإنسان بدرجات معدودة؟

 

أتمنى أن يقدم لي أي تربوي إجابة مقنعة عن الفائدة الحقيقية للمرحلة الثانوية بصيغتها الراهنة.

 

منذ عام 2008 وحتى اليوم، أُنفقت أموال طائلة، واستُهلكت جهود هائلة، وتبدلت المناهج مرة تلو الأخرى، وكأن أزمة التعليم تكمن في الكتاب المدرسي وحده. لكن السؤال الذي كان يجب أن يسبق كل تعديل هو:

 

ما الهدف من التعليم في سوريا؟

 

هل نريد تخريج حافظين للمعلومات أم مفكرين؟ هل نعدّ شبابًا للحياة والعمل، أم لامتحان ينتهي في يوم واحد؟ وهل نقيس نجاح النظام التعليمي بعدد الناجحين، أم بقدرته على إنتاج مواطن يمتلك المعرفة، والمهارة، والقدرة على التفكير النقدي والإبداع؟

 

الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي نقطة البداية لأي إصلاح حقيقي. فمن دون رؤية واضحة لغاية التعليم، ستبقى كل الإصلاحات مجرد ترقيعات؛ مناهج جديدة، وأنظمة امتحانية مختلفة، وتطبيقات إلكترونية أكثر تطورًا… فيما تبقى الأزمة على حالها.

 

إننا لا نحتاج إلى تطبيق أفضل لإعلان النتائج، بل إلى فلسفة تعليمية جديدة تربط المدرسة بالحياة، والتعليم بالاقتصاد، والمعرفة باحتياجات المجتمع، وتمنح الطالب فرصة لاكتشاف ذاته قبل أن تطالبه بتحديد مستقبله.

 

لقد تحولت امتحانات الثانوية العامة في سوريا إلى صندوق أسود؛ يدخل إليه الطالب بعد اثني عشر عامًا من الدراسة، فلا يُقاس فيه فضوله، ولا إبداعه، ولا شخصيته، ولا مهاراته، بل بورقة امتحان واحدة، تُعامل وكأنها الحقيقة المطلقة. وهكذا يصبح الامتحان غاية التعليم، لا إحدى وسائله.

 

لقد آن الأوان لأن نغادر دائرة إصلاح الأدوات، ونسأل السؤال الذي تهربنا منه طويلًا: لماذا نعلّم؟

 

حين نمتلك الشجاعة للإجابة عن هذا السؤال، سنعرف كيف نعلّم، وكيف نقوّم، وكيف نبني مدرسة تُخرّج إنسانًا لا مجرد ناجح في امتحان. عندها فقط ستصبح الامتحانات محطة طبيعية في رحلة التعلم، لا الكابوس الذي يختزل مستقبل طالب يختبر مصير وطن بأكمله.

 

قد يظن البعض أن ما أطرحه مجرد أمنيات. لذلك سأخصص المقال القادم لاستعراض تجارب دول نجحت في إعادة بناء تعليمها، مثل فنلندا وسنغافورة وإستونيا، لنثبت أن البديل موجود، وأن إصلاح التعليم يبدأ حين نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الرئيس الشرع يستقبل رئيس إقليم كردستان العراق: مناقشة عدد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية ذات الاهتمام المشترك

    استقبل الرئيس أحمد الشرع، اليوم، في قصر الشعب بدمشق، رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الجمهورية العربية السورية، ...