محسن سلامة
سيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، صاحب كتاب الكتاب، أول كتاب جامع في النحو. توفي سنة 180 هـ، ولمّا يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره، فاحتُضر وأسرع إليه الموت، أي مات فتيًّا في ريعان الشباب.
1- سبب طلبه لعلم النحو
إنّه لحنَ (أخطأ) في حديثٍ لرسول الله ﷺ:
«ليس أحدٌ من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه، ليس أبا الدرداء».
فقال سيبويه: الصواب: «ليس أبو الدرداء».
فأجابه حمّاد الراوية: «لحنتَ يا سيبويه، والصواب: ليس أبا الدرداء».
وذلك لأنّ «ليس» هنا تفيد الاستثناء، والتقدير:
ليس أحدٌ من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه، ليس هو أبا الدرداء.
فاسم «ليس» ضمير شأن محذوف تقديره «هو»، و«أبا» خبر «ليس» منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنّه من الأسماء الخمسة.
فقال سيبويه:
«لا جرم، لأطلبنّ علمًا لا يُلحّنني معه أحد».
فطلب علم النحو، ولازم إمام النحاة في زمانه الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي، وتتلمذ له. وكان قد أخذ شيئًا من النحو عن عيسى بن عمر الثقفي، ويونس بن حبيب، وأخذ اللغة عن الأخفش الكبير.
2- سبب وفاة سيبويه
كان سبب وفاته تلك المناظرة الشهيرة التي طلبها الوزير يحيى بن خالد البرمكي بينه وبين الكسائي، إمام مدرسة الكوفة في النحو.
وكان سيبويه يمثّل مدرسة البصرة التي تعتمد العقل والقواعد الصارمة في النحو، بينما كان الكسائي يمثّل مدرسة الكوفة التي تعتمد السماع من العرب مباشرة، حتى ولو خالف ذلك القياس.
قال الكسائي:
— أتسألني أم أسألك؟
فقال سيبويه:
— سل أنت.
فسأله الكسائي عن قول العرب:
«كنت أظن أنّ العقرب أشدُّ لسعةً من الزنبور، فإذا هو هي، أو فإذا هو إيّاها».
فقال سيبويه:
— الصواب: «فإذا هو هي» بالرفع؛ لأنّها جملة اسمية.
فـ«هو» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، و«هي» ضمير منفصل مبني في محل رفع خبر.
أمّا النصب في «إيّاها» فغير صحيح عنده؛ لأنّ «إيّاها» ضمير نصب منفصل مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره «يساوي».
فقال الكسائي لسيبويه:
— لحنتَ، العرب ترفع ذلك وتنصبه.
فقال الوزير يحيى البرمكي:
— قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما في النحو، فمن يحكم بينكما؟
فقال الكسائي:
— هذه العرب الأقحاح ببابك، فليُحضَروا ويُسألوا.
فقال يحيى البرمكي:
— أنصفت.
فأُحضر بعض الأعراب، وقيل إنّ الكسائي قد رشاهم من قبل، فكانت تلك من أوائل صور الفساد والرشوة في الروايات الأدبية.
فدخل هؤلاء، ومنهم فقعس، وأبو زياد، وأبو الجرّاح، فقالوا:
— القول قول الكسائي.
لكنّهم لم ينطقوا بالجملة كاملة، لا بالنصب على مذهب الكسائي، ولا بالرفع على مذهب سيبويه.
وكان هؤلاء يعلمون منزلة الكسائي عند الخليفة هارون الرشيد، فانحازوا إليه خوفًا وطمعًا.
فقال سيبويه للوزير:
— مُرهم أن ينطقوا بها بألسنتهم؛ فإنّ ألسنتهم لا تطاوعهم على النصب.
أي إنّهم سينطقون بها كما قال سيبويه:
«فإذا هو هي».
ثم رحل سيبويه إلى فارس، ومات كمَدًا في ريعان شبابه.
المسألة الزنبورية
سُمّيت هذه المناظرة بـ«المسألة الزنبورية»؛ لورود عبارة «لسعة الزنبور» فيها، ثم أصبحت مثلًا يُضرب في المناظرات الشهيرة.
وتمثّل هذه القصة صراعًا بين منهجين في علم النحو، أسهما معًا في إغناء اللغة العربية.
كما تعلّمنا أنّ اللغة العربية قواعد ليست جامدة فحسب، بل هي روح حيّة، ونبض لسان العرب

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
