إخلاص علي
تتجه الأنظار إلى السياسات النقدية التي سيتبناها مصرف سوريا المركزي، بعد تعيين حاكم جديد، في ظل تحديات هيكلية تواجهها البلاد، أبرزها تراجع قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية وتذبذبها، وفوضى سوق الصرف، وشح السيولة، وارتفاع معدلات التضخم، وضعف الثقة بالقطاع المصرفي، إلى جانب عدم استكمال عملية تبديل العملة، واستمرار العزلة النسبية عن النظام المالي العالمي، رغم الخطوات الأولية الرامية إلى تجاوزها.
وفي هذا السياق، تتباين آراء الخبراء حول الأولويات الأكثر إلحاحاً أمام المركزي والأدوات الأكثر فاعلية لمعالجة الاختلالات القائمة، بين من يركّز على ضرورة ضبط السيولة ورفع كفاءة إدارة النقد الأجنبي، ومن يدعو إلى إصلاحات هيكلية أوسع تشمل تحديث النظام المصرفي وربطه بالمنظومة المالية الإقليمية والدولية.
وأصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، الجمعة، المرسوم رقم (99) لعام 2026، الذي يقضي بتعيين محمد صفوت عبد الرحيم رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي.
سياسات نقدية
أكد رسلان، السبت، أن استقرار الاقتصاد السوري مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والكفاءات السورية في الداخل والخارج، مشيراً إلى أن أي سياسة نقدية لا تكتسب قيمتها إلا عندما تنعكس بشكل حقيقي على حياة الناس واستقرارهم.
وقال رسلان في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”: “أتحمل مسؤولية حاكمية مصرف سوريا المركزي في مرحلة تُعد من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الاقتصاد السوري الحديث”.
ويرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن الأولوية العاجلة أمام المصرف المركزي تتمثل في السيطرة على معدلات التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، مضيفاً أن ارتفاع التضخم يرتبط بتراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وما يرافق ذلك من نقص في العملات الأجنبية.
وأوضح الدبس لصحيفة “الثورة السورية”، أن مواجهة هذه التحديات تتطلب سياسات نقدية أكثر صرامة، تشمل ضبط السيولة عبر رفع أسعار الفائدة، وتنظيم عملية طباعة العملة وربطها بحجم الاحتياطي من القطع الأجنبي المتوفر لدى الحكومة.
تقلّبات الليرة
تطرّق الحاكم الجديد للمصرف المركزي إلى حجم التحديات الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها السوريون يومياً، مؤكداً أن المرحلة القادمة ستقوم على العمل الهادئ والمسؤول لإعادة بناء الاستقرار النقدي والمالي بشكل تدريجي ومستدام بعيداً عن الحلول المؤقتة أو الإجراءات الارتجالية.
وأشار الدبس إلى أن التقلبات المستمرة في سعر صرف الليرة تؤدي إلى تآكل الثقة بالعملة المحلية وارتفاع الأسعار، لافتاً إلى إمكانية الحدّ من هذه التقلبات من خلال إدارة احتياطيات النقد الأجنبي والتدخل عند الضرورة، إضافة إلى اعتماد آلية متعددة لأسعار الصرف تشمل السعر الرسمي والتجاري وسوقاً موازية منظمة.
كما شدد على أهمية تنظيم السيولة داخل القطاع المصرفي، ودعم قدرة المصارف على تمويل القطاع الخاص مع الحفاظ على الاستقرار النقدي، إلى جانب منع أي ضخ عشوائي للسيولة النقدية دون دراسة.
وأكد الخبير أن نجاح هذه الإجراءات يتطلب تنسيقاً كاملاً بين السياسات النقدية والمالية، عبر ضبط الإنفاق الحكومي والعجز المالي، ودعم القطاعات الإنتاجية لتخفيف الاعتماد على الاستيراد.
وحول قدرة المركزي على التأثير في استقرار سعر الصرف، تحدث الدبس عن وجود “قيود كبيرة” تحدّ من فعالية أدواته، أبرزها العقوبات الدولية التي تقلّص الوصول إلى العملات الأجنبية، واتساع السوق غير الرسمية، وارتفاع الطلب على الدولار مقارنة بالعرض، فضلاً عن اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على الاستيراد.
ورغم ذلك، اعتبر الدبس أن المصرف المركزي لا يزال يمتلك بعض الأدوات، مثل التدخل المباشر عبر الاحتياطيات الأجنبية، والتحكم بالسيولة المحلية للحد من التضخم، ومحاولة استيعاب جزء من سوق الصرف غير الرسمي ضمن قنوات منظمة.
وأوضح أن تأثير هذه الأدوات يبقى محدوداً في غياب إصلاحات اقتصادية وهيكلية أوسع، تشمل خفض العجز المالي، ودعم الإنتاج المحلي، وتشجيع التحويلات المالية عبر القنوات الرسمية.
الثقة بالقطّاع المصرفي
شدد رسلان على أن الثقة تُبنى بالفعل والشفافية والنتائج وليس بالكلمات، وتابع: هذا ما سنعمل عليه بكل مسؤولية.. سيُقيَّم عملنا بما يتحقق على أرض الواقع لا بما يُقال في التصريحات، وهذا التزامي منذ اليوم الأول.
ورأى الدبس أن استعادة الثقة بالقطاع المصرفي تتطلب ضرورة ضمان سلامة الودائع وحماية حقوق المودعين، إلى جانب تعزيز الشفافية في إدارة أموال المصارف.
ودعا الخبير إلى تطوير الخدمات المصرفية وتسهيل التحويلات الداخلية والخارجية، والتوسع في الخدمات الرقمية الحديثة.
كما أكد أهمية تبني سياسات نقدية واضحة ومستقرة، سواء عبر تثبيت سعر الصرف أو الإعلان عن آلية واضحة لإدارته، مع التحكم بالسيولة لتجنب موجات التضخم المفاجئة، إضافة إلى تعزيز التواصل مع المواطنين عبر نشر تقارير دورية تشرح الواقع المالي والنقدي والسياسات المتبعة.
وأشار إلى أن تشجيع التحويلات الرسمية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لدعم الاستقرار النقدي، من خلال تقديم حوافز للمغتربين والمودعين، تشمل أسعار صرف مجزية، وتسهيلات مالية وضريبية، وخفض الرسوم، مع توفير قنوات مصرفية رسمية موثوقة وسهلة الاستخدام.
وأوضح الدبس أن استقرار الليرة السورية لا يمكن أن يتحقق عبر الأدوات النقدية وحدها، ويحتاج إلى خطة اقتصادية شاملة، تكون أولوياتها السيطرة على التضخم، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، ودعم الإنتاج المحلي، وتحويل التحويلات المالية نحو القنوات الرسمية بدلاً من السوق السوداء.
الربط الدولي
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي، أن المرحلة الجديدة أمام المصرف المركزي تحمل مجموعة من الأولويات والتحديات الأساسية، وفي مقدمتها إعادة تفعيل ربط البنوك السورية بالنظام المصرفي الإقليمي والدولي، بما يتيح دخول الاستثمارات إلى سوريا عبر القنوات الرسمية.
وأوضح قضيماتي لصحيفة “الثورة السورية” أن العديد من المشاريع والاستثمارات لا تزال بانتظار وجود شبكة مصرفية فعّالة ومتصلة بالعالم لتتمكن من الدخول إلى السوق السورية بشكل فعلي.
وأشار إلى أن تحديث الأنظمة والقوانين الاقتصادية والمصرفية يُعد أولوية موازية، لافتاً إلى أن القوانين الحالية في سوريا باتت قديمة ولم تعد تتناسب مع حجم الاستثمارات الاستثنائية التي تحتاجها البلاد في هذه المرحلة.
وأضاف أن عملية تحديث هذه التشريعات تتطلب وقتاً وجهداً، لكنها ضرورية لخلق بيئة اقتصادية قادرة على استقطاب المستثمرين والتوافق مع المعايير المصرفية العالمية.
استبدال العملة
تقترب مرحلة تبديل العملة من إنهاء شهرها السادس، بينما لا تزال نحو 44 بالمئة من الكتلة النقدية خارج الاستبدال، وفق تصريحات سابقة للمصرف المركزي.
ورأى قضيماتي أن تطوير آليات استبدال العملة وتسريعها من المهام الملحّة أيضاً أمام المصرف المركزي، إلى جانب توسيع الربط بين شركات الصرافة والمصرف المركزي بهدف إحكام السيطرة على الكتلة النقدية وتنظيم حركة النقد في السوق، مؤكداً أن الوضع الاقتصادي الاستثنائي الذي تعيشه سوريا يتطلب أدوات وإجراءات استثنائية أكثر مرونة وفاعلية.
أما فيما يتعلق باستقرار سعر الصرف، أوضح قضيماتي أن قدرة المصرف المركزي على التأثير المباشر في سعر الليرة السورية لا تزال محدودة على المدى القريب، بسبب غياب الأدوات النقدية الفعالة المستخدمة عادة في الاقتصادات المستقرة، مثل السندات وأذونات الخزينة وأدوات الفائدة.
ولفت إلى أن هذه الأدوات، رغم نجاحها في دول أخرى، لا تزال غير مجدية بالشكل الكافي في الحالة السورية الحالية.
وشدد على أن أي تحسن حقيقي في قدرة المركزي على ضبط سعر الصرف يرتبط بإعادة تفعيل دور البنوك في الاقتصاد، وربطها بالمصارف الإقليمية والدولية، إلى جانب تطوير القوانين بما يتوافق مع الأنظمة المصرفية الحديثة في العالم.
كما حدد قضيماتي مسارين أساسيين لاستعادة ثقة السوريين بالقطاع المصرفي وتشجيع عودة الودائع، يتمثل الأول في إحداث تحول حقيقي في أداء المصارف ودورها الاقتصادي، بعد سنوات كان فيها القطاع المصرفي بعيداً عن التأثير الفعلي في الاقتصاد وخاضعاً إلى حد كبير للقرارات السياسية، فيما يتعلق المسار الثاني بالتوعية المصرفية، إذ لا يزال جزء كبير من السوريين بعيداً عن ثقافة التعامل مع البنوك والخدمات المالية نتيجة ضعف التجربة المصرفية خلال السنوات الماضية.
من هو صفوت رسلان؟
رسلان من مواليد عام 1981، يحمل إجازة في الاقتصاد اختصاص محاسبة من جامعة حلب، إضافة إلى دبلوم في الإدارة الاستراتيجية من جامعة لازارسكي في وارسو، وشهادات مهنية دولية في إدارة المشاريع.
ويشغل رسلان منصب مدير عام صندوق التنمية السوري، كما شغل سابقاً منصب مدير أعمال ائتمان في بنك الصيادلة والأطباء في ألمانيا، وعمل مستشاراً لدى شركتي “EY” و”Capco”، وخبيراً مصرفياً في “TARGOBANK” و”Deutsche Bank”.
كما تولى سابقاً إدارة أحد فروع بنك “بيبلوس” في سوريا، ويتمتع بخبرة تتجاوز 20 عاماً في مجالات إدارة مخاطر الائتمان والحوكمة والتحول الرقمي.
وشغل رسلان عضوية مجلس إدارة عدد من المنظمات المجتمعية في ألمانيا، وحصل على تكريمات متعددة تقديراً لجهوده في العمل التطوعي والخيري.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
