قراءة: علي نفنوف
دبي
كلنا قرأنا أو سمعنا قصيدة «المومس العمياء» للشاعر العراقي بدر شاكر السياب
والتي تعتبر واحدة من أكثر النصوص الشعرية العربية إثارةً للجدل والقراءة النقدية، لأنها تجاوزت ظاهر الحكاية إلى أعماق الإنسان والمجتمع، وحوّلت شخصية هامشية منسية إلى مرآة تكشف أمراض عصر كامل.
لم يكن السياب حين كتب عن امرأة دفعتها الحاجة إلى ممارسة البغاء بصدد إصدار حكم أخلاقي عليها، ولم تكن القصيدة محاكمة لتلك المرأة بقدر ما كانت محاكمة لواقع أنتج مأساتها. فالمومس في القصيدة ليست الجريمة، وإنما الضحية؛ ليست سبب الانحراف، وإنما نتيجة لعالم اجتماعي واقتصادي فقد رحمته، وترك الإنسان وحيداً أمام الفقر والجوع والانكسار.
إن عبقرية السياب تكمن في أنه نقل السؤال من: «من هي المومس؟» إلى سؤال أكثر قسوة وأكثر صدمة : «من صنع هذه المومس؟». وهنا يتحول المجتمع نفسه إلى طرف أساسي في المأساة، مجتمع يرى الفقر ولا يعالجه، ويراقب الانهيار الأخلاقي ولا يبحث عن جذوره، ثم يكتفي بإدانة النتائج متجاهلاً الأسباب.
فالعمى في القصيدة ليس عجزاً في البصر فقط، انما عجز في الرؤية الإنسانية. المومس عمياء لأنها فقدت القدرة على رؤية الطريق، لكن المجتمع أكثر عمى لأنه امتلك القدرة على الرؤية واختار أن يغض الطرف.
ومن هنا يأتي العنوان كرمز مركب؛ فـ«المومس» ليست شخصية فردية فقط، و«العمياء» ليست صفة جسدية، هي استعارة عن إنسان ومجتمع فقدا البوصلة الأخلاقية والإنسانية.
*****
لماذا استحضر السياب ميدوزا وبابل…؟
يثير اختيار السياب لشخصية ميدوزا من الأساطير الإغريقية، واستحضاره بابل من الذاكرة الحضارية القديمة، سؤالاً …مهما حول مصادره الرمزية، ولماذا لم يعتمد على رموز من التراث الإسلامي أو العربي.
والحقيقة أن السياب كونه شاعراً حداثياً يرى أن الأسطورة ليست مجرد حكاية قديمة، انما هي لغة رمزية قادرة على التعبير عن الإنسان في كل زمان. لقد وجد في الأسطورة الإغريقية أدوات تعبير عن التحول والعقاب والمأساة الإنسانية. فميدوزا ليست مجرد شخصية خرافية إنها رمز للنظرة التي تحوّل الإنسان إلى حجر، وللقسوة التي تجمد الروح وتحرمها من الحياة.
أما بابل، فهي رمز لحضارة عظيمة تحمل في داخلها معنى الصعود والانهيار، البناء والسقوط. والسياب، حين يستدعي بابل، لا يستحضر الماضي لذاته، وإنما يستخدمه ليقول إن المأساة الإنسانية قديمة قدم الحضارة نفسها، وإن الإنسان ظل يصارع الظلم والعجز والخراب عبر العصور.
كما أن السياب كان جزءا من حركة شعرية جديدة أرادت أن تتحرر من الاستخدام التقليدي للرموز، فاستعانت بالأساطير العالمية لأنها تمنح القصيدة أفقا إنسانيا واسعا يتجاوز حدود المكان والزمان.
*****
هل كانت المومس هي العمياء أم أن المجتمع هو الأعمى..…؟
هنا تكمن قوة النص. فلو كانت القصيدة مجرد وصف لامرأة ساقطة لما بقيت حاضرة في الذاكرة الأدبية، لكنها بقيت لأنها قلبت المعادلة الأخلاقية.
إن السياب لا يبرئ الخطأ، لكنه يرفض النظرة السطحية التي تختزل الإنسان في فعل واحد، ويتساءل عن الظروف التي تدفع البشر إلى حواف السقوط. إنه يبحث عن الإنسان خلف الخطيئة، وعن الجرح خلف السلوك.
المجتمع الذي يحاكم المرأة ولا يحاكم الفقر، الذي يراقب المظهر ولا يبحث عن الأسباب، هو المجتمع الذي يستحق السؤال. لذلك يصبح العمى الحقيقي هو عمى الضمير، وليس فقدان البصر.
قصيدة تتجاوز موضوعها إلى سؤال الإنسان
تكتسب «المومس العمياء» أهميتها لأنها لم تقدم قضية اجتماعية بطريقة خطابية مباشرة، وإنما حولتها إلى تجربة شعرية عميقة تتداخل فيها الأسطورة والتاريخ والنفس البشرية.
لذلك استطاع السياب أن يجعل من شخصية منبوذة اجتماعيا بطلة لمأساة إنسانية، وأن يضع القارئ أمام مرآة لا يرى فيها امرأة واحدة فقط، انما يرى مجتمعا كاملا يحمل تناقضاته وأزماته.
ولهذا بقيت القصيدة حية؛ لأنها لم تتحدث عن الرذيلة بقدر ما تحدثت عن أسبابها، ولم تفضح إنسانا ضعيفا بقدر ما كشفت ضعف عالم كامل.
إن «المومس العمياء» ليست قصيدة عن امرأة، هي قصيدة عن الإنسان حين يُترك وحيدا في مواجهة الفقر والقسوة والنظرات القاسية. وهي، في جوهرها، صرخة شاعر رأى أن أخطر أنواع العمى ليس أن تفقد العين نورها، العمى أن يفقد القلب قدرته على رؤية الآخر
قبل الختام:
وقبل ان نختم اترككم مع هذا المقطع الذي يعتبر من اكثر المقاطع قسوة في القصيدة كونه دفن المثالية في مقابر شرح الواقعية اقصد واقعية الواقع المجتمعي المتأزم في مرضه العضال
و استحضر الاساطير في شرح هذا الوجع العتيق
……………….
مقطع من القصيدة:
الليل يُطْبِقُ مرة أخرى ، فتشربه المدينهْ
والعابرون ، إلى القرارة مثل أغنيةٍ حزينهْ
وتفتحت ، كأزاهر الدفلى ، مصابيح الطريق
كعيون «ميدوزا»
تحجِّر كل قلب بالضغينهْ
وكأنها نذرٌ تبشر أهل «بابل» بالحريق
من أي غابٍ جاء هذا الليل ؟ من أي الكهوف
من أي وكرٍ للذئاب ؟
من أي عش في المقابر دفَّ أسفع كالغراب؟
«قابيل» أخفى دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساء
ومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء!
عمياء كالخفاش في وضح النهار ،
هي المدينهْ والليل زاد لها عماها
والعابرون
الأضلع المتقوسات على المخاوف والظنون
والأعين التعبى تفتِّش عن خيالٍ في سواها
وتعد آنية تَلَأْلَأُ في حوانيت الخمور
موتى تخاف من النشور
قالوا : سنهرب ،
ثم لاذوا بالقبور من القبور!
من ضاجع العربية السمراء لا يلقى خساراً
كالقمح لونك يا ابنة العرب ، كالفَجر بين عرائش العنب
أو كالفرات ، على ملامحه
دعة الثرى وضراوة الذهب
لا تتركوني فالضحى نسبي
من فاتحٍ ، ومجاهدٍ ، ونبي!
عربية أنا ..
أمتي خير الأمم ،
دمها خير الدماء هكذا يقول أبي
في موضع الأرجاس من جسدي ،
وفي الثدْي المذال
تجري دماء الفاتحين فلوثوها ، يا رجال
من جنس للرجال فأمس عاث بها الغرباء
الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
يا ليت للموتى عيوناً من هباء في الهواء
ترى شقائي
فيرى أبي دمه الصريح يعبُّ أوشالَ الدماء
كالوحل في المستنقعات فلا يردَّ الخاطبين
ما كان حكمةً أن تجيء إلى الوجود وأن تموتِ؟
ألتشرب اللبن المرنَّق بالخطيئة واللعاب
أوشالَ ما تركته في ثدييك أشداقُ الذئاب؟
كان الزناة يضاجعونك وهي تصرخ دون قوت
فكأنها ، وهي البريئهْ
كانت تشاركك العذاب
لكي تكفِّر عن خطيئهْ!
أفترتضين لها مصيرك؟
فاتركيها للتراب
في ظلمة اللحد الصغير تنام فيه بلا مآب
فالنور والأطفال والبسمات حظ المترفين
والجوع والأدواء والتشريد حظ الكادحين
وأنت بنت الكادحين
مات الضجيج وأنت ، بَعْد ُ، على انتظارك للزناهْ
تتنصَّتين ، فتسمعين
رنين أقفال الحديد يموت ، في سأم ، صداه
الباب أوصد
ذاك ليل مَرَّ
فانتظري سواه .
…….
بدر شاكر السياب

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
