آخر الأخبار
الرئيسية » مختارات من الصحافة » تعثّر البعثة السورية في مصر… خلاف ديبلوماسي أم اختبار لحدود الانفتاح؟

تعثّر البعثة السورية في مصر… خلاف ديبلوماسي أم اختبار لحدود الانفتاح؟

 

عبدالله سليمان علي

 

خرج ملف البعثة الديبلوماسية السورية في القاهرة من دائرة الترتيبات الهادئة إلى العلن، بعدما بدأت تتسرب معلومات عن تحفظات مصرية عن عدد من الأسماء المقترحة، وفي مقدمها محمد طه الأحمد. وأنهى هذا التسريب أشهراً من الغموض الذي أحاط المقترح الأول لتعيين القاضي جمعة الدبيسي العنزي، كاشفاً تعثراً غير مألوف في المسار الديبلوماسي بين البلدين، لم تنجح القنوات التقليدية في احتوائه، فظهر على شكل روايات متضاربة من دون تبنٍّ رسمي.

 

العلاقة بين دمشق والقاهرة لم تكن يوماً خالية من الحساسيات. فمصر، التي لم تُخفِ تحفظاتها عن التحول السياسي في سوريا ووصول قوة ذات خلفية إسلامية إلى الحكم، أبقت هذا التحفظ حاضراً في إيقاع العلاقة أكثر مما أظهرته البيانات الرسمية. ومن ارتباك لقاء قبرص بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وأحمد الشرع، إلى الحذر الذي رافق زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة، بدت المسافة السياسية أعمق من المجاملات الديبلوماسية.

 

وفي خلفية هذا التوتر، كانت القاهرة ترفع ملفاتها الأكثر حساسية، من مكافحة الإرهاب والمقاتلين الأجانب إلى منع تحول الأراضي السورية إلى ممر أو ملاذ لشخصيات جهادية، بينهم مصريون برزت أسماؤهم في المشهد السوري الجديد. ورغم ذلك، نجح الطرفان في تحقيق اختراق محدود عبر تفاهمات في ملف الطاقة والغاز، اكتسبت أهميتها من تقاطعها مع إعادة ترتيب أولويات الخليج بعد الحرب على إيران، وهو ما انعكس على مصر بصورة غير مباشرة عبر شبكة المصالح الإقليمية.

 

 

من الدبيسي إلى الأحمد

 

 

على هذا الإيقاع، بدت دمشق كأنها تستعد لإعادة ترتيب تمثيلها الديبلوماسي في القاهرة. فطرحت بداية اسم العنزي قائماً بالأعمال في شباط/فبراير الماضي، وسط تفاؤل سوري رسمي. لكن هذا التفاؤل لم يلبث أن تراجع مع بدء تسريبات عن تحفظ مصري عن التعيين، قبل أن يظهر اسم الأحمد ضمن الوفد الذي رافق الشيباني إلى القاهرة مطلع أيار/مايو.

 

ومع الكشف عن تشكيل البعثة الجديدة، بدأت الروايات تتضارب. فتحدثت “شام تي في” عن سحب أربعة ديبلوماسيين من السفارة السورية وتعطل معاملات السوريين هناك، فيما نقلت “زمان الوصل” أن القاهرة رفضت منح تأشيرات لغالبية أعضاء البعثة الجديدة، قبل أن يصف مصدر سوري الأمر بأنه “تأخير في الإجراءات لا يفسد للود قضية”. لكن الوقائع التي تكشفت تباعاً أوحت أن الأزمة لا تتصل بالإجراءات الإدارية وحدها، إذ أفادت معلومات عن تحفظات مصرية عن رئيس البعثة المقترح ومعظم أعضائها.

 

وبذلك، خرج الملف من نطاق الترتيبات الديبلوماسية المعتادة إلى اختبار سياسي مباشر. فهذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها تعيينات السلك الديبلوماسي السوري الجديد اعتراضاً علنياً، بعدما مرت تعيينات مماثلة في عواصم عربية وغربية من دون ضجيج، علماً أن غياب الاعتراض العلني لا يعني بالضرورة قبولاً كاملاً.

 

 

 

رسائل تتجاوز الأسماء

 

 

ويأتي هذا التعثر في لحظة إقليمية مضطربة بفعل تداعيات الحرب على إيران. فالعواصم الخليجية تعيد ترتيب أولوياتها، وتتعامل مع دعم دمشق كملف أمني واستثماري معقد، ما انعكس على القاهرة بحكم تشابك المصالح وتضاربها. ورغم الانفتاح السعودي والإماراتي على السلطة السورية الجديدة، بقي معظم الوعود في إطار المشاريع المؤجلة، فيما شكّل إنهاء عقد تطوير فندق “البوابات السبع” في دمشق مثالاً على هشاشة الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ.

 

لذلك يبدو الموقف المصري جزءاً من بيئة عربية تدعم عودة دمشق، لكنها لا تمنحها بعد تفويضاً سياسياً كاملاً، وهو ما يتقاطع مع مواقف أميركية وأوروبية تدفع نحو الانفتاح من دون منح شيك على بياض.

 

 

 

اختبار متبادل

 

 

ويعكس صمت القاهرة ودمشق، وغياب أي إعلان رسمي بالرفض أو التصعيد، رغبة مشتركة في إبقاء الخلاف ضمن هامش قابل للمعالجة. لكن هذا الصمت لا يلغي دلالة الرسالة المصرية، بل يجعلها أكثر وضوحاً، وهي اختبار الأسماء قبل اختبار الخطاب، وقياس الالتزام الأمني بصفته مدخلاً لا يمكن تجاوزه في العلاقة السياسية.

 

وقد تكون دمشق أرادت، عبر تشكيل البعثة، قياس قدرتها على تمرير رجالها في عاصمة حساسة مثل القاهرة، بعدما مضت تعيينات أخرى من دون اعتراض معلن. وفي المقابل، قرأت مصر المقترحات السورية بوصفها مؤشراً على طبيعة التحول في دمشق، لا مجرد خطوة إدارية. فاختيار ممثلي الدولة في الخارج يتحول، في هذه المرحلة، إلى جزء من قياس النيات وحدود التغيير داخل السلطة.

 

وتمنح الحرب على إيران هذا الاختبار بعداً إضافياً. فالتباين في حسابات العواصم الخليجية بين دعم استقرار سوريا والحذر من منح السلطة الجديدة تفويضاً واسعاً، يفتح الباب أمام اختبارات متبادلة بين دمشق والعواصم العربية.

 

ومن هذه الزاوية، لا يكشف تعثر البعثة السورية في القاهرة عن أزمة نهائية، بقدر ما يعكس مرحلة انتقالية دقيقة. فدمشق تختبر حدود قبولها العربي، فيما تختبر القاهرة مقدار التحول الفعلي في سوريا.

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خلافا لما صرّح به ترامب.. إعلام إيراني يعلن ان تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن توقف منذ أيام

أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن قد توقف منذ عدة أيام، خلافا لما صرّح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ونقلت وكالة ...