رغد خضور
أدى خروج مكب “وادي الهدة” شرق بلدة يحمور عن الخدمة، إثر اندلاع حريق داخله قبل عدة أسابيع، إلى اضطراب عمليات ترحيل النفايات في عدد من مناطق محافظة طرطوس، وسط إجراءات اتخذتها البلديات للتعامل مع الواقع المستجد، في حين تعمل الجهات المعنية على إعادة تشغيل المكب والحد من انعكاسات توقفه على خدمات النظافة.
ويعد مكب “وادي الهدة” نقطة التفريغ الرئيسة للنفايات الواردة من الوحدات الإدارية في المحافظة، ما جعل توقفه ينعكس على عمليات جمع وترحيل القمامة في عدد من المدن والبلدات، ودفع بعض المجالس المحلية إلى اعتماد إجراءات مؤقتة ريثما تعود أعماله إلى طبيعتها.
وبناءً على ذلك، طلب مجلس مدينة دريكيش من السكان وضع النفايات في أكياس محكمة الإغلاق، بعد خفض عدد رحلات الترحيل إلى النصف، فيما أعلن مجلس مدينة بانياس أنه ينسق مع الجهات المعنية لمعالجة المشكلة، ويعمل على إعداد حلول إسعافية بديلة في حال استمرار تعطل المكب.
وفي حديث لـ”الثورة السورية”، أوضحت رئيسة مجلس جزيرة أرواد فاطمة كنفاني أن توقف المكب أدى إلى تعليق عمليات نقل النفايات، ما اضطر البلدية إلى العودة لاستخدام موقع التجميع السابق بصورة مؤقتة، إلى حين استئناف عمليات الترحيل.
وأضافت أن البلدية كانت تنقل نحو ثلاثة أطنان من النفايات يومياً إلى مكب “وادي الهدة” قبل توقفه، مشيرة إلى وجود موقع مؤقت يمكن استخدامه لتخفيف الضغط، إلا أن استمرار تعطل المكب يفرض تحديات إضافية على أعمال النظافة.
ولفتت كنفاني إلى أن الصعوبة الأساسية لا تكمن في جمع النفايات، وإنما في نقلها على مرحلتين، الأولى إلى مكب أرواد، والثانية إلى موقع الماعونة، موضحة أن الأخير لا يستطيع استيعاب الكميات المجمعة لأكثر من ثلاثة أيام.
وأضافت أن مجلس المدينة اتخذ إجراءات محلية للتعامل مع الوضع، مشيرة إلى أن وجود أكثر من موقع معتمد لاستقبال النفايات على مستوى المحافظة من شأنه أن يخفف الضغط على أي مكب رئيسي في حال خروجه عن الخدمة.
شكاوى بيئية ومطالب بحلول دائمة
وفي المقابل، يقول عدد من سكان المناطق القريبة من المكب إن الحرائق المتكررة وما يرافقها من تصاعد للدخان والروائح أثرت على حياتهم اليومية، مطالبين بإيجاد حلول تقلل من الآثار البيئية والصحية، وتضمن معالجة النفايات وفق أسس أكثر استدامة.
ويقول محمد الأحمد إن تصاعد الدخان الناتج عن الحريق أدى إلى انتشار غازات ومواد سامة في المنطقة، فيما يشير أسامة دلول إلى أن المشكلة ليست جديدة، لكنها ازدادت خلال الفترة الأخيرة مع استمرار الحرائق داخل المكب، مطالباً بإيجاد معالجة دائمة للموقع.
وترى هبا صالح أن استمرار أعمال الحرق داخل المكب يزيد من الأعباء البيئية على المناطق المحيطة، ولا سيما أن الموقع يقع بالقرب من تجمعات سكنية ويستقبل النفايات الواردة من مختلف مناطق المحافظة، معتبرة أن تطوير أساليب معالجة النفايات سيحد من الآثار المترتبة على السكان والبيئة.
ويصف ناصر أحمد واقع المكب بأنه يحتاج إلى تطوير لكونه يعتمد على أساليب بدائية في جمع النفايات ونقلها والتخلص منها، مشيراً إلى أن المنطقة التي كانت تتميز بطبيعتها الزراعية وهوائها النقي باتت تتأثر بالروائح والدخان الناتجين عن تراكم النفايات وعمليات الحرق، الأمر الذي انعكس على حياة السكان اليومية.
بدوره، يشير سامر يوسف إلى أن اختيار موقع المكب من قبل النظام المخلوع أثار منذ سنوات تساؤلات لدى الأهالي، معتبراً أن أي تطوير لمنظومة إدارة النفايات ينبغي أن يراعي المعايير البيئية، بما في ذلك حماية التربة والمياه الجوفية والمناطق السكنية المجاورة.
وتتفق مطالب الأهالي على أهمية إيجاد حلول مستدامة لإدارة النفايات، إلى جانب الحد من تكرار الحرائق، وتطوير آليات المعالجة بما يخفف الآثار البيئية والصحية، ويضمن استمرار خدمات النظافة دون انقطاع.
إجراءات لإعادة تشغيل المكب
وفي المقابل، أوضحت مديرية النفايات الصلبة والنظافة في محافظة طرطوس أن خروج مكب “وادي الهدة” عن الخدمة جاء نتيجة اندلاع حريق مفتعل، قالت إن نباشين أشعلوه على خلفية خلافات شخصية.
ويقول مدير مديرية النفايات الصلبة والنظافة هيثم الخطيب لـ”الثورة السورية” إن المديرية، بالتعاون مع فرق الإطفاء، باشرت منذ اندلاع الحريق تنفيذ أعمال الإخماد، إلى جانب فرش الأتربة بهدف تبريد الموقع وطمر بؤر الاشتعال، موضحاً أن الخطة الموضوعة تستهدف استكمال الأعمال وإعادة تشغيل المكب خلال عشرة أيام.
ويضيف أن المديرية جهزت جزءاً من المطمر وأعادته إلى الخدمة لاستقبال كميات من النفايات الواردة من الوحدات الإدارية، بالتوازي مع استمرار أعمال الإخماد وتجهيز الجزء المتبقي، مؤكداً أن الأعمال وصلت إلى مراحلها النهائية تمهيداً لإعادة تشغيل المكب بصورة كاملة.
ويشير الخطيب إلى أن توقف المكب لم يؤد إلى توقف خدمات النظافة بشكل كامل، إذ استمرت عمليات جمع وترحيل النفايات وفق الإمكانات المتاحة، مع تعديل آلية العمل إلى حين استكمال أعمال التأهيل.
ويبين الخطيب أن معظم الوحدات الإدارية لم تتأثر بصورة كبيرة بخروج المكب عن الخدمة، موضحاً أن عمليات جمع وترحيل النفايات لا تتم يومياً في جميع المناطق، الأمر الذي أسهم في الحد من آثار التوقف، مع استمرار استقبال كميات من النفايات عبر الجزء الذي أعيد تجهيزه داخل المطمر.
ويضيف أن أعمال النظافة داخل مدينة طرطوس لم تتوقف، وإنما استمرت وفق برنامج معدل يتناسب مع الظروف القائمة، لافتاً إلى أن كمية النفايات التي يستقبلها المكب تبلغ نحو 600 طن يومياً.
وحول البدائل المؤقتة، يشير الخطيب إلى أن المديرية اعتمدت عدداً من المواقع المخصصة لاستقبال النفايات، إلى جانب الحاويات المحملة على الآليات، بما يضمن استمرار عمليات الجمع والترحيل إلى حين استكمال تأهيل المطمر وإعادته إلى الخدمة بصورة كاملة.
ويؤكد أن العمل يشمل إلى جانب معالجة آثار الحريق، إعداد دراسة فنية لاختيار موقع جديد لإنشاء مطمر صحي، وفق المعايير الفنية والبيئية المعتمدة، على أن يبدأ تنفيذ المشروع مع مطلع العام المقبل، بما يعزز قدرة المحافظة على استيعاب كميات النفايات مستقبلاً ويواكب احتياجاتها الخدمية.
حرائق المكبات وآثارها البيئية
يؤكد المستشار البيئي كامل شمس الدين أن حرائق مكبات النفايات لا تقتصر آثارها على موقع الحريق، وإنما تمتد إلى الهواء والتربة والمياه، ما يجعل التعامل معها يتطلب إجراءات تتجاوز إخماد النيران إلى متابعة الآثار البيئية اللاحقة.
ويقول لـ”الثورة السورية” إن احتراق النفايات غالباً ما يكون غير كامل نتيجة اختلاف مكوناتها وارتفاع نسبة الرطوبة فيها، الأمر الذي يؤدي إلى انبعاث ملوثات مختلفة، من بينها الجسيمات الدقيقة، وأول أكسيد الكربون، وأكاسيد النيتروجين والكبريت، إضافة إلى المركبات العضوية المتطايرة.
ويضيف أن احتراق بعض أنواع البلاستيك والمواد المحتوية على الكلور قد يؤدي إلى انبعاث مركبات الديوكسينات والفورانات، وهي من الملوثات العضوية الثابتة التي تبقى في البيئة لفترات طويلة، كما أن احتراق البطاريات والأجهزة الإلكترونية قد يطلق معادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم، الأمر الذي يستدعي متابعة جودة الهواء والتربة والمياه بعد انتهاء الحريق، إلى جانب معالجة الموقع وفق الأسس البيئية المعتمدة.
ويشير شمس الدين إلى أن العصارة الناتجة عن المكبات غير المجهزة تمثل أحد أبرز التحديات البيئية، إذ قد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية أو تؤثر في الأراضي الزراعية المجاورة عند غياب أنظمة العزل والمعالجة، الأمر الذي يبرز أهمية إنشاء المطامر الصحية وفق معايير هندسية وبيئية معتمدة، مع إعطاء معالجة العصارة أولوية في أي مشروع مستقبلي لإدارة النفايات.
ويوضح أن تحديد أسباب الحرائق داخل المكبات يعتمد على مؤشرات فنية، منها موقع بداية الحريق، وعدد بؤر الاشتعال، والظروف الجوية، واحتمال تراكم غاز الميثان، لافتاً إلى أن الاشتعال الذاتي قد يحدث في بعض المكبات نتيجة ارتفاع الحرارة وتراكم الغازات، في حين تتطلب الحرائق المتعمدة إجراءات تحقيق منفصلة لتحديد أسبابها.
ويرى أن الأولوية عند خروج أي مكب رئيسي عن الخدمة تتمثل في ضمان استمرار عمليات جمع وترحيل النفايات ومنع تراكمها داخل المدن، بالتوازي مع مواصلة أعمال الإخماد وتأمين الموقع والبحث عن بدائل مؤقتة إلى حين إعادة تشغيل المكب أو توفير موقع بديل.
ويؤكد أن الاعتماد على مكب رئيسي واحد لخدمة محافظة كاملة يزيد من تأثير أي طارئ قد يطرأ عليه، مشيراً إلى أن تطوير منظومة إدارة النفايات يتطلب توزيع خدمات الطمر على أكثر من موقع، إلى جانب تعزيز عمليات الفرز والمعالجة، بما يسهم في تقليل كميات النفايات التي تصل إلى المطامر.
ويضيف أن ما شهده مكب “وادي الهدة” يبرز أهمية وجود خطط طوارئ تضمن استمرارية الخدمة، وتدعم تطوير البنية التحتية لقطاع إدارة النفايات، بما يواكب الاحتياجات المتزايدة ويحسن كفاءة التعامل مع الحالات الطارئة.
ختاماً، يشير تعطل مكب “وادي الهدة” إلى أهمية تطوير منظومة إدارة النفايات في محافظة طرطوس، سواء من خلال تعزيز جاهزية المطامر، أو توفير بدائل عند خروج أي موقع رئيسي عن الخدمة، أو توسيع قدرات الفرز والمعالجة، وفي الوقت الذي تعمل فيه الجهات المعنية على إعادة تشغيل المكب، يظل تطوير البنية التحتية لإدارة النفايات أحد المحاور الرئيسة لضمان استدامة الخدمة والحد من الآثار البيئية والصحية مستقبلاً.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

