بقلم: مالك صقور
قبل مئتين وخمسين سنة، كانت بريطانيا العظمى، من لندن، هي التي تصدر الأوامر إلى مستعمراتها في أنحاء العالم. واليوم ينظر العالم بأسره إلى واشنطن، منتظراً قراراتها، مترقباً، أو مطيعاً، أو خائفاً، أو مختلفاً معها، أو متأثراً بها.
هكذا يصنع التاريخ مفارقاته؛ فلا توجد قوة أو دولة أو إمبراطورية تولد عظمى، وإنما تصنع مكانتها عبر الزمن، ثم تسعى جاهدة للحفاظ على تلك المكانة وما تمثله من نفوذ وهيبة.
ومن المعروف أن بريطانيا العظمى استعمرت أمريكا قرابة ثلاثة قرون، وربما أكثر. وحين طالب الأمريكيون بالاستقلال، ثارت ثائرة البريطانيين. وفي عام 1816 كتب توماس جيفرسون إلى جيمس مونرو رسالةً قال فيها: “إن بريطانيا هي عدو الجنس البشري بأجمعه، وليس لأمريكا وحدها.”وقد عبّر جيفرسون في رسالته عن سخطه من الاستبداد البريطاني، واستحالة العيش تحت حكمه، بينما كان الأمريكيون يتجرعون مرارة الذل والهوان والمهانة.
كما كتب جون آدمز، ثاني رؤساء الولايات المتحدة: “إن بريطانيا تعلّم أبناءها احتقارنا وإهانتنا والإساءة إلينا، ولن تصبح صديقة لنا حتى نصبح نحن سادتها.”
واليوم، وبعد مرور مئتين وخمسين عاماً على إعلان الاستقلال، يبدو أن الحكام الجدد قد نسوا معاني الاضطهاد والقمع والاستبداد، والخطف والاغتيال، وقتل كل من لا يوافقهم الرأي أو لا ينحني لهم طائعاً.
إن مئتين وخمسين عاماً ليست مجرد رقم في سجل التاريخ، بل هي عمر تجربة غيّرت وجه العالم. ففي الرابع من تموز عام 1776 أعلنت ثلاث عشرة مستعمرة استقلالها، ولم يكن أحد يتوقع آنذاك أن هذه الولايات الناشئة ستتحول، خلال أقل من قرنين، إلى القوة الأكثر تأثيراً في السياسة والاقتصاد والعلم والثقافة على مستوى العالم.
واليوم، والولايات المتحدة تحتفل بمرور مئتين وخمسين عاماً على استقلالها، فإنها لا تستحضر ماضيها فحسب، بل تواجه أيضاً أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل، في عالم لم يعد يشبه ذلك العالم الذي قادته وهيمنت عليه لعقود طويلة.
قبل مئتين وخمسين عاماً، كان الحلم الأمريكي هو بناء جمهورية حرة. وبعد قرنين ونصف، يرى كثيرون أن الولايات المتحدة صادرت حرية شعوب أخرى كانت تنشد الحرية نفسها. وهنا تبرز المفارقة التي كثيراً ما يرددها المراقبون والمحللون السياسيون: “من مستعمرة إلى قوة عظمى.”
ويرى عدد من المؤرخين والمهتمين بالشأن السياسي أن الولايات المتحدة وقعت في تناقضات عميقة بين المبادئ التي أعلنتها والممارسات التي انتهجتها. فقد تبنت سياسات الهيمنة والتوسع، وورثت كثيراً من سمات الاستعمار التقليدي. ففي حين تحدث إعلان الاستقلال عام 1776 عن الحرية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان، شهد التاريخ الأمريكي استمرار العبودية لعقود، والتمييز العنصري، والحرب الأهلية، ثم سلسلة من الحروب الخارجية التي امتدت آثارها إلى مناطق مختلفة من العالم.
ويبقى السؤال: إلى أي مدى استطاعت الولايات المتحدة أن تقترب من المبادئ التي أعلنتها عند نشأتها؟
واليوم، وبرغم ما تمتلكه الولايات المتحدة من قوة عسكرية هائلة، وحاملات طائرات، وجيوش، ومنظومات تسليح متطورة، فإن التخلي عن سياسة التفوق والهيمنة ليس أمراً يسيراً. غير أن منطق التاريخ، كما يذهب إليه ابن خلدون في حديثه عن تداول الدول وتعاقب مراكز القوة، يشير إلى أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن انتقال الثقل الحضاري والسياسي من الغرب إلى الشرق يظل احتمالاً قائماً، تؤيده مؤشرات وتحولات يشهدها العالم في السنوات الأخيرة
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

