متابعة: هيثم يحيى محمد
من البحر الأسود إلى سائر البحار والمضايق التي تتعرض فيها السفن للضرب والقصف، تتكرر المآسي، ويجد البحارة أنفسهم في مواجهة أخطار الحروب والنزاعات، فيما تدفع أسرهم ثمنًا إنسانيًا قاسيًا من القلق والفقد والانتظار.
إن استهداف السفن أو تضررها في مناطق التوتر لا يقتصر على خسائر مادية أو تعطيل طرق التجارة، بل قد يودي بحياة بحارة سوريين وغير سوريين، لا ذنب لهم سوى أنهم يؤدون عملهم في عرض البحر، بعيدًا عن أسرهم، بحثًا عن لقمة العيش.
ومع كل حادثة، تتجدد الأسئلة: ما الظروف التي أحاطت بالرحلة؟ وهل كانت المخاطر معروفة قبل الإبحار؟ وما التدابير التي اتُّخذت لحماية الطواقم؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت وجود تقصير أو إهمال؟
سلامة البحارة مسؤولية لا يجوز تجاهلها
إن العمل البحري محفوف بالمخاطر، لكن الإبحار في مناطق تشهد نزاعات مسلحة يفرض مسؤوليات مضاعفة على مالكي السفن ومشغليها والجهات المعنية بالملاحة. فسلامة الطواقم يجب أن تكون أولوية لا تتقدم عليها الحسابات التجارية أو اعتبارات الربح والخسارة.
ولا يعني طرح هذه الأسئلة توجيه اتهامات مسبقة، فالمسؤولية لا تُحدَّد بالتخمين، بل بالتحقيقات والأدلة. غير أن من حق أسر الضحايا والرأي العام معرفة ما جرى، وما إذا كانت هناك أخطاء أو مخالفات أسهمت في وقوع المأساة.
الحقيقة حقٌّ للعائلات والرأي العام
في حوادث السفن التي تتعرض للضرب أو القصف أو الغرق، لا يجوز أن تتوقف المتابعة عند إعلان عدد الضحايا وحجم الأضرار. فمن الضروري توضيح ملابسات كل حادثة، ومصير أفراد الطواقم، وجهود الإنقاذ، والظروف الأمنية التي سبقت وقوعها.
كما ينبغي أن تتسم التحقيقات بالشفافية، وأن تشمل، بحسب طبيعة كل حادثة، قرارات الإبحار، وتقييم المخاطر، ومدى الالتزام بقواعد السلامة البحرية، وأي مؤشرات على وجود تقصير أو تجاوزات.
فإذا ثبتت المسؤولية، وجبت المساءلة وفقًا للقانون، وإذا أكدت التحقيقات أن الحادثة وقعت نتيجة أخطار تعذّر تفاديها رغم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وجب إعلان النتائج بوضوح. فالحقيقة وحدها تضع حدًا للشائعات، وتساعد على منع تكرار المآسي.
وراء كل بحار أسرة تنتظر
قد تتشابه السفن في سجلات الملاحة، وقد تُختصر الحوادث في أرقام وتقارير، لكن البحارة ليسوا أرقامًا. وراء كل بحار أب وأم، وزوجة وأطفال، وأهل وأصدقاء ينتظرون عودته، أو يتشبثون بأمل سماع خبر يبدد مخاوفهم.
ولا تقتصر هذه المأساة على البحارة السوريين، بل تشمل كل إنسان يفقد حياته أو يتعرض للخطر أثناء عمله في البحار، مهما كانت جنسيته أو الجهة التي يعمل لديها.
إن حياة هؤلاء تستحق أن تكون في صدارة الاهتمام، وألا تتحول خسارتهم إلى خبر عابر تطويه الأيام، فيما تبقى عائلاتهم معلقة بين الأمل والوجع، تبحث عن إجابة قد تتأخر طويلًا.
كلمة أخيرة
إن واجب الجهات المعنية هو كشف ملابسات حوادث السفن بشفافية، وواجب الإعلام متابعة الوقائع والتحقق منها، وواجبنا جميعًا المطالبة بالحقيقة من دون إطلاق أحكام مسبقة أو السماح للغموض بأن يحجب المسؤولية.
رحم الله البحارة الذين قضوا في البحار والمضايق، من السوريين وغير السوريين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ العاملين في البحر من كل سوء.
فخلف كل سفينة تبحر حكايات بشر، وخلف كل بحّار أسرة تنتظر عودته سالمًا.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
