بقلم: علي نفنوف
هُنا فقط
ينبتُ العُشب
____***___
هُنا ..
لا تموتُ الذكريات ،
ــ فبأي حال أُذكِرُك ــ .. ؟!
هُنا ..
فخاخ الورد لا تستدرج لهفتي
هي فقط تشي بسرّها على مهلٍ
فأصيرُ حقلاً
ً من قصائدٍ وفراشات ….
وأمّا ألحان نَرجستكَ الصفراء
فهي الأخرى ليست بأقل منها ،
تغوص لقاع الذكرى ،
تحشو الأحلام بضحكات اللوز
لأصير دالية من عناق ،
لا حول لي فيها ولا قوة …
هُنا ،
لا تموت الذكريات
نستظل بشجرة الصبر
مرّةً للعزف ، و مرّةً للدمع
مرّةً لنسج معطفاً لعريي الوقت
و مرات كثيرة لنشرب معاً أنخاب
ترانيمنا الجميلة التي قطفناها
من كُرمة السماء …
ــ فبأي حال أُذَكِرُك ــ .. ؟!
هُنا ،
لا تموت الذكريات ،
لن أُزبلَ ستائر الزمن عنك
و لن أنأى برسمك عني ،
عالقٌ أنت في منتصف الأشياء
كأمنية موعودة ضاع منها الطريق
كحلم شاحب نسي زاده على
شفتين ارتجفتا دونما قبلة ،
صوتكَ الذي غاب في غفلةٍ عني ،
حينما كان الحديث كلّهُ أنت
أوقد نصف الحكاية ،
و ترك موائد الصباح فقيرة بالظلال
و رجع الصدى ..
فعن أي حال سأُذكِرُك ؟!!
هُنا ..
لا تموت الذكريات
ولا سريرٌ للنسيان يبقى
هُنا فقط
ينبتُ العُشب .
ثمة نصوص نقرأها.. وثمة نصوص تقرؤنا من الداخل. وقصيدة “هنا فقط ينبت العشب” للشاعرة عبير شعبان من النصوص التي تترك أثرها في القارئ منذ السطر الأول، لأنها تتعامل مع الذكرى كحادثة بقيت ككائن حي يواصل نموه في أعماق الروح.
منذ العبارة المفتاحية: “هنا لا تموت الذكريات”، تضعنا الشاعرة أمام فضاء داخلي مشبع بالحضور الإنساني. فالذاكرة هنا ليست مخزناً للأحداث، انما هي مكاناً تقيم فيه الأشياء التي أحببناها ولم تغادرنا تماماً. ولهذا تمضي القصيدة في بناء عالمها عبر الورد والنرجس واللوز والدالية والكرمة، وهي صور تتجاوز جمالها الظاهري لتصبح إشارات إلى أثر إنساني ما زال حياً رغم الغياب.
ويتكرر السؤال: “فبأي حال أذكرك؟” على اعتباره النبض الخفي للنص. سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يكشف حيرة الذاكرة أمام شخص أصبح جزءاً من تكوينها. فالحضور والغياب يتجاوران في القصيدة، ويتحولان إلى حالة شعورية واحدة لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
لغة عبير شعبان هادئة وشفافة، لكنها تحمل كثافة وجدانية واضحة. فهي لا تذهب إلى المباشرة، ولا تستسلم للانفعال الخطابي، هي تترك الحزن يتسلل عبر التفاصيل الصغيرة والصور الرقيقة التي تمنح النص عذوبته الخاصة. ولهذا يصل الشعور إلى القارئ دون ضجيج، كصوت بعيد ما زال يتردد في أروقة الذاكرة.
ومن أجمل ما يلفت الانتباه في النص قدرة الشاعرة على تحويل الألم إلى مشهد جمالي. فالذكرى ليست عبئاً ثقيلاً، وإنما مساحة للتأمل واستعادة ما تركه الزمن خلفه من ظلال ومعانٍ. لذلك تبدو القصيدة أقرب إلى مناجاة داخلية هادئة، تتأمل الفقد دون أن تستسلم له.
أما الخاتمة فتمنح النص بعده الرمزي الأعمق: “هنا فقط ينبت العشب”. جملة قصيرة تختصر رحلة القصيدة كلها. فالعشب ليس مجرد نبات وحسب انما صورة للحياة التي تنبثق من تربة الذكرى، وللقدرة التي يمتلكها القلب على تحويل الفقد إلى وجد والغياب إلى أثر باقٍ.
في هذا النص لا تكتب عبير شعبان عن الحب أو الذكرى فحسب، وإنما تكتب عن تلك المساحات الخفية التي يتركها الإنسان في أرواح الآخرين، حيث لا يموت شيء تماماً، وحيث يواصل العشب نموه
وكأنه رسالة نحو الأبد.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

