بقلم: علي نفنوف
-دبي
حين بدأت أبحث عن الكاتبة والفنانة التشكيلية خيرات الزين، كنت أظن أنني أبحث عن سيرة مبدعة معاصرة، غير أنني وجدت نفسي أفتح بابًا آخر يقود إلى تاريخ جبل عامل، وإلى واحدة من أهم العائلات التي ارتبط اسمها بالحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في جنوب لبنان وبيروت.
*نبذة تاريخية
شعرت، وأنا أتتبع الأسماء والوقائع، أنني أعود إلى التاريخ مرتين؛ مرة وأنا أقرأ عن جبل عامل ورجاله، ومرة أخرى حين تذكرت الشيخ المجاهد صالح العلي، وما كان يربط نضاله الوطني ببيئته الطبيعية الممتدة بين الساحل السوري والجنوب اللبناني من وشائج تاريخية واجتماعية وإنسانية، حيث كانت أسماء كثيرة، ومنها آل الزين، تتردد في صفحات ذلك الزمن.
وتكشف كتب الأنساب وتاريخ جبل عامل أن عائلة الزين تُعد من الأسر العاملية العريقة التي استقرت في جبل عامل، لتبدأ رحلة طويلة امتدت قرابة تسعة قرون. ومع مرور الزمن أصبحت الأسرة من أبرز العائلات في شحور، وجبشيت، وكفررمان، وغيرها من قرى الجنوب، وكان لها حضور بارز في الإدارة المحلية والحياة الاجتماعية، ثم في الفكر والسياسة والأدب.
ومن بين رجالاتها برز الشيخ زين الدين الزين، ثم الشيخ علي الزين الكبير، الذي ارتبط اسمه بمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ جبل عامل في أواخر القرن الثامن عشر، قبل أن تتعزز مكانة الأسرة في القرن التاسع عشر مع الشيخ سليمان الزين، الذي جمع بين الزعامة ورعاية الحياة العلمية.
وفي القرن العشرين لمع اسم يوسف بك الزين في الحياة السياسية اللبنانية، بينما أسس أحمد عارف الزين مجلة العرفان، التي تحولت إلى واحدة من أهم المنابر الفكرية في المشرق العربي، وأسهمت في نهضة الأدب العربي والفكر الإصلاحي.
ولعل ما يلفت النظر في تاريخ هذه الأسرة أنها لم تحصر حضورها في السياسة أو الزعامة، بل حافظت على امتداد ثقافي وفكري وإبداعي واضح، فكان من أبنائها الأدباء والصحفيون والباحثون والمربون، حتى بدا اسم الزين، في كثير من المحطات، مرادفًا للكلمة الحرة والثقافة والمعرفة، ولكل ما هو متألق.
*خيرات الزين… الامتداد والاستمرارية
كنت أحاول البحث عن أخبارها وقصصها بشيء من الصمت. ولم يكن في خاطري أن أحصل على أي معلومة منها مباشرة، بل كنت أحاول أن أجمع سيرتها الوارفة جمالًا بطريقتي. ولكن عندما هاتفتها لأقدم لها نسخة من ديواني الصادر حديثًا «قميص على قصب الخليج»، شعرت أنني أقف أمام معلم كبير ينظر إلى الأوطان بنظرة إنسانية أكثر شمولًا مما تنظر إليها الكيانات أو الدول.
شعرت أنني أمام كاتبة موسوعية حاولت أن تمنحني بعض الأمل والتفاؤل، الذي أكاد أن أفقده في نهضة هذه الأمة، وشعرت أن امتداد عائلة الزين لا يزال أخضر وحاضرًا.
ومن هذا الامتداد الثقافي تبرز الكاتبة والفنانة التشكيلية خيرات الزين، واحدة من أهم وأنبل الأصوات التي جمعت بين الأدب والفن في تجربة واحدة. فهي لا تتعامل مع اللوحة على أنها لون وزخرفة أو حالة جمالية فحسب، ولا مع النص باعتباره لغة فقط، بل تجعل الحرف لونًا، وتجعل اللون لغة، وكأنها تكتب ما وراء المشهد.
ويظهر ذلك بوضوح في كتابها الأيقوني “منام الماء”.حيث رصدت فيه سيرة ذاتية مستقلة لكل حرف من حروف الأبجدية الثمانية والعشرين، ووهبت كل حرف هوية وجودية خاصة تحدد اسمه، ولونه، وصوته، ونوع زهرته وحجره الكريم، في توليفة فلسفية تجعل من الإيقاع اللغوي شكلًا مرئيًا.
وفي “منام الماء… سيرة ذاتية للحروف”يتحول الحرف العربي إلى كائن بصري نابض بالجمال والدلالة، وتصبح الكتابة امتدادًا للرسم، كما يصبح الرسم شكلًا آخر من أشكال الكتابة.
وتكاملت هذه الرؤية في مجموعتها “منام العطر” التي ركزت على حاسة الشم والذاكرة لاستحضار المشاعر الإنسانية العابرة، وصولًا إلى كتابها “حارسات الخوف” الذي غاصت فيه، بعمق وجرأة، في سيكولوجية القلق من منظور أنثوي بليغ.
وبالتوازي مع هذا النتاج الأدبي، يبرز إنجازها الفني التشكيلي امتدادًا لروحها المقاومة؛ إذ كرست ريشتها لأكثر من ربع قرن لتوثيق قضايا الأرض، فجعلت من قريتها الجنوبية شحور، ومن القضية الفلسطينية، محورًا للوحاتها، متوجةً ذلك بورش رسم تطوعية لأطفال المخيمات، ومشاركة واسعة في عشرات المحافل المحلية والدولية.
وتنوعت هذه التجربة البصرية في معارضها الفردية والجماعية، وكان أحدثها معرض “الأمل العنيد” (2025)، برعاية وزارة الثقافة اللبنانية، الذي جسدت فيه ألوان التراب والصمود الجنوبي.
غير أن تجربتها لا تقف عند حدود الإبداع الشخصي، بل تمتد إلى العمل الثقافي العام. فقد أسست ملتقى خيرات الثقافي، الذي تحول إلى فضاء مفتوح يستقبل الشعراء والروائيين والفنانين والإعلاميين والباحثين، دون حواجز أو اصطفافات.
وفي هذا الملتقى أُقيمت أمسيات شعرية، وندوات فكرية، وحفلات توقيع كتب، ومعارض تشكيلية، ولقاءات حوارية، فغدا المكان أشبه ببيت للثقافة، يعيد إلى الذاكرة الصالونات الأدبية العربية التي كان الحوار فيها يسبق الخلاف، وكانت الكلمة تجمع أكثر مما تفرق.
وفي معظم النشاطات التي احتضنها الملتقى، كانت القضايا الإنسانية حاضرة بوصفها جزءًا من رسالة الثقافة؛ فحضر الجنوب اللبناني ذاكرةً وصمودًا، وحضرت فلسطين قضيةً إنسانية وثقافية في الوجدان العربي، من خلال المعارض والندوات والأمسيات التي احتفت بالهوية والذاكرة والإبداع.
وتُظهر هذه المبادرات اهتمام خيرات الزين بجعل الثقافة مساحة لحفظ الذاكرة وتعزيز الحوار، وهو ما توثقه الأخبار والفعاليات المنشورة عن الملتقى، وما أكثرها.
إن تجربة خيرات الزين تؤكد أن الإبداع لا يكتمل إلا حين يغادر صاحبه عزلته ليصبح شريكًا في بناء الوعي العام. فهي لم تكتف بأن تكون كاتبة أو فنانة تشكيلية، بل اختارت أن تكون صاحبة مشروع ثقافي يفتح أبوابه للآخرين، ويمنح الكلمة واللوحة فرصة جديدة للحياة.
وهكذا بدأت رحلتي بالبحث عن اسم فنانة، فإذا بي أجد نفسي أمام تاريخ عائلة، وتاريخ منطقة، وتاريخ ثقافة امتدت عبر قرون. كان الاسم بوابة، لكن ما وراءه كان وطنًا كاملًا من الذاكرة، يؤكد أن بعض العائلات لا تُقرأ أنسابًا فحسب، وإنما تُقرأ صفحاتٍ من تاريخ الفكر والثقافة والإنسان

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

