بقلم: الدكتور المترجم إبراهيم استنبولي
في الثالث من تشرين الثاني عام 2003، غادرنا جسداً الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف، شاعر المحبة والإنسانية والسلام، وذلك بعد أقل من شهرين على احتفال الأوساط الأدبية والثقافية في روسيا وداغستان بعيد ميلاده الثمانين، الذي صادف الثامن من أيلول من العام نفسه.
رحل حمزاتوف جسداً، لكن روحه وأشعاره وحكمه وطرفه الظريفة بقيت حية، تتناقلها الأجيال وتنتشر في بلدان كثيرة على امتداد كوكب الأرض، التي لطالما خشي عليها من الساسة المجرمين وسفّاكي الدماء وأصحاب الرؤوس الحامية.
وفي ذكرى رحيله، نستعيد هذا النص الإنساني العميق الذي يختزل وجع الإنسان وقلقه على مصير الأرض والوطن.
يقول حمزاتوف:
(بعدَ أنْ أنتقلَ إلى الحياةِ الآخرة،
سوفَ ألتقي أبي وأمّي مِن جديد!
لن نؤجِّلَ الحديثَ إلى “فيما بعد”…
* كيف هي الحالُ على الأرض؟
أما أنا فلن أجيب…
كيف للمؤمنِ أنْ يقولَ لهم الحقيقة؟
بل كنتُ أفضّل لو أنّني وُلِدتُ أخرسَ.
حين سأجدُ نفسي في الحياة الآخرة،
سوف ألتقي بإخوتي الذين قتلتهم الحرب:
* كيف هي البلادُ، إذًا؟
كيف هو حالُ الوطن؟
وكيف هو حالُ البيت؟
ستنشأ عندي رغبةٌ، ولأوّلِ مرّة، بأن أكذبَ عليهم؛
إذ كيف يمكنني أن أقولَ لِمَن سقطَ في معارك دامية أنّ بلاده لم تعدْ موجودة؟
حين سأصبحُ في تلك الحياة الآخرة،
حيث سألتقي مع أصدقاء أعزّاء،
وإذ سيعرفونني بعد جهدٍ جهيد،
سوف يغمرونني بالأسئلة، كما لو أنّها أزهار:
* أين هي الحياةُ أفضل:
على الأرض أم ها هنا؟
هيا أجبْ…
لن أجرؤَ إذ ذاك على النظر في أعينهم.
رسول حمزاتوف
ترجمة إبراهيم استنبولي)
ماذا سنقول للراحلين؟
إنها قصيدة تختزل مأساة الإنسان حين يجد نفسه عاجزاً عن إخبار أحبائه الراحلين بما حلّ بالأرض والوطن اللذين تركوهما خلفهم، وبالأحلام التي حملوها ورحلوا قبل أن تتحقق.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذا النص أن الشاعر يتمنى لو أنه وُلد أخرس، كي لا يضطر إلى مواجهة أبيه وأمه وإخوته وأصدقائه بالحقيقة. إنه وجع من يرى أن تضحيات الراحلين وأحلامهم لم تحمِ الأوطان من الحروب والخراب.
وما يجعل كلمات رسول حمزاتوف حاضرة بقوة حتى اليوم هو أنها تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتخاطب ضمير الإنسان في كل المجتمعات التي عانت من الحروب والانقسامات والكراهية.
لقد كان الشاعر يخشى على الأرض من أولئك الذين يشعلون الحروب ولا يبالون بدماء الأبرياء، ومن أصحاب الرؤوس الحامية الذين ينسون أن الأوطان لا تُبنى بالكراهية والإقصاء، بل بالمحبة والتسامح واحترام الإنسان.
رحل رسول حمزاتوف، لكن سؤاله سيبقى حياً: ماذا سنقول للذين أحبونا ورحلوا، حين يسألوننا عن الأرض والوطن والبيت؟
لعل أفضل إجابة نقدمها لهم أن نحافظ على ما أحبوه، وأن نترك لمن يأتي بعدنا عالماً أكثر أمناً وإنسانية وسلاماً


(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
