الرئيسية » كلمة حرة » البحر الذي جاع أهله! حين تجوع الوفرة بسبب سوء الإدارة

البحر الذي جاع أهله! حين تجوع الوفرة بسبب سوء الإدارة

 

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

للبحر ذاكرة لا تشبه ذاكرة البشر؛ فهو يتذكر مراكب الصيادين عند الفجر، وأغاني البحارة، ووجوه الأطفال الذين كانوا ينتظرون عودة آبائهم محمّلين برزق اليوم.

 

جلست أمام بحر طرطوس، وقلت له:

 

يا بحر، كيف أصبحت بهذا الاتساع، وأصبح بعض أبنائك بهذا الضيق؟ ألم تكن تطعمهم، وتمنح صياديك رزقاً يكفي بيوتهم وأسواقهم؟

 

تخيلته يجيبني:

 

أنا لم أبخل عليهم، لكن بعضهم لم يعد يأخذ مني رزقه، بل صار ينتزع مني قدرتي على العطاء.

 

سألته: كيف؟

 

قال: حين صار الديناميت أسرع من الشبكة، وحين أصبح الصيد وسيلة لجمع أكبر كمية في أقصر وقت، دون اعتبار لما سيبقى للغد. صار الانفجار يقتل السمك الكبير والصغير، ويدمر أماكن التكاثر، ويقضي على حياة تحتاج الطبيعة سنوات لتعويضها.

 

ولم يتوقف الأمر عند الديناميت؛ فهناك شباك ذات فتحات أصغر من المواصفات المسموح بها، لا تترك للأسماك الصغيرة فرصة للنجاة والنمو. وهكذا لا نصطاد رزق اليوم فقط، بل نقتل رزق السنوات القادمة.

 

تذكرت صياداً من طرطوس ورث مهنته عن أبيه، وكان يحلم أن يورثها لابنه. كان يعرف أن البحر ليس مخزناً ننهب منه حتى ينفد، بل ثروة تتجدد إذا احترمنا قوانينها.

 

لكن كيف ينافس صياد ملتزم من يستخدم المتفجرات والشباك المخالفة؟ وكيف يحافظ البحر على عطائه حين يغيب الرقيب، وتصبح المخالفة أكثر ربحاً من الالتزام؟

 

وهنا لا نتحدث عن سمكة ضائعة فحسب، بل عن صياد يخسر مهنته، وأسرة تفقد مصدر رزقها، وسوق ترتفع فيه الأسعار، ومجتمع يعيش بجوار البحر ولا يستطيع كثير من أبنائه شراء خيراته.

 

وهل كان الفساد مجرد سرقة المال العام، أم كان أيضاً ترك الثروات الطبيعية تُنهب أمام أعين المؤسسات التي أُنشئت لحمايتها؟

 

فالساحل السوري ليس مجرد شاطئ جميل؛ إنه ثروة من الصيد والمرافئ والتجارة والسياحة وفرص العمل. لكن الصيد الجائر، والديناميت، والشباك المخالفة، والتلوث والصرف الصحي، وضعف الرقابة، كلها عوامل تستنزف هذه الثروة.

 

وليس المطلوب من الدولة أن تمنح الصياد سمكة، بل أن تحمي البحر الذي يطعمه، وتحمي حقه في رزقه من الذين يستنزفون ثروته بلا حساب.

 

إن إعادة عافية البحر تحتاج إلى تطبيق القانون، وتنظيم مواسم الصيد، واحترام فتحات الشباك، وحماية مناطق التكاثر، ومراقبة التلوث، ودعم الصيادين وتطوير مرافق الصيد والتسويق.

 

عدت أنظر إلى البحر وسألته:

 

وهل ما زلت قادراً على إطعام أبنائك؟

 

لم أسمع جواباً، لكن موجة صغيرة وصلت إلى قدمي ثم تراجعت.

 

وفكرت أن البحر لم يتخلَّ عن أهله، لكن بعض من أُوكل إليهم حمايته تخلوا عن مسؤوليتهم.

 

ليس الفقر دائماً نتيجة شحّ الموارد؛ أحياناً يكون نتيجة سوء إدارة الوفرة، وحين تعجز الدولة عن حماية ثروتها، يصبح البحر شاهداً على جوع أبنائها.

 

فإعادة بناء سورية لا تبدأ بالإسمنت وحده؛ أحياناً تبدأ بحماية سمكة صغيرة كي تكبر، وبإنصاف صياد كي لا يترك مهنته.

 

وللبحر علينا دين؛ فقد أطعم آباءنا، ولا يجوز أن نورث أبناءنا شاطئاً جميلاً وذاكرة جائعة

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في ذكرى وعد بلفور: مبدآن للوصول إلى حل الإشكالات التي أثارها وعد غير منصف

  أ.د. جورج جبور مؤلف كتاب «وعد بلفور» الرئيس الفخري للرابطة السورية للأمم المتحدة، ورئيسها الأول: 2004–2022.     ليس من الخطأ القول إن الكلمات ...