غالباً ما تُصوَّر المرونة النفسية على أنها قدرة خارقة على تحمّل الضغوط من دون التأثر بها، وكأن الشخص «المرن» لا يشعر بالتعب أو القلق أو الانهيار أبداً.
لكن الواقع النفسي أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
وبحسب تقرير نشره «سايكولوجي توداي»، فإن المرونة النفسية لا تعني غياب المعاناة، بل الطريقة التي نتعامل بها مع الضغوط والصدمات والتجارب الصعبة.
ويشير التقرير إلى أن بعض العلامات التي يظن الناس أنها دليل ضعف قد تكون، في الحقيقة، من أوضح علامات المرونة النفسية.
العلامة الأولى: الاستمرار رغم الإرهاق
من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً أن المرونة النفسية تحمي الإنسان من الشعور بالضغط أو الانهيار.
لكن علماء النفس يؤكدون أن المرونة لا تعني عدم التأثر، بل القدرة على التكيّف والاستمرار رغم التأثر.
ويُعرّف المختصون المرونة النفسية بأنها:
القدرة على التكيّف بنجاح مع الشدائد أو الصدمات أو الضغوط الكبيرة.
وهذا يعني أن الشعور بالقلق أو التعب أو الإرهاق العاطفي لا يتعارض مع المرونة، بل قد يكون جزءاً طبيعياً منها.
دراسة: الأشخاص المرنون يشعرون بالضيق أيضاً
استعرض التقرير دراسة طولية شهيرة نُشرت عام 2009، تتبعت مسارات التعافي النفسي لدى سكان نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وكذلك لدى أشخاص تضرروا من فيضانات المكسيك عام 1999.
ووجد الباحثون أن كثيراً من الأشخاص الذين صُنّفوا على أنهم «مرنون» استمروا في المعاناة من أعراض نفسية متوسطة أو شديدة بعد الصدمات.
لكن الفرق الأساسي كان أنهم تمكنوا تدريجياً من:
* العودة إلى حياتهم اليومية
* الاستمرار في أداء مسؤولياتهم
* استعادة توازنهم النفسي مع الوقت
ويُعرف هذا المفهوم أحياناً باسم:
«الأداء المرن».
المرونة قد تبدو بسيطة جداً
أحياناً، قد تبدو المرونة النفسية أقل «درامية» مما نتخيل.
ففي بعض الأيام، قد تعني فقط:
* النهوض من السرير
* الذهاب إلى العمل رغم الإنهاك
* تناول الطعام
* أو محاولة القيام بالحد الأدنى من المسؤوليات
ويشير التقرير إلى أن هذه الخطوات الصغيرة قد تكون، بالنسبة لشخص يمر بضغط نفسي شديد، إنجازاً حقيقياً.
كيف ننظر إلى التوتر؟
تشير أبحاث حديثة إلى أن طريقة تفسير الشخص للتوتر تؤثر بشكل كبير في قدرته على التكيّف.
فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2023 في Journal of Youth and Adolescence أن الأشخاص الذين يرون الضغط النفسي على أنه قابل للإدارة أو يحمل معنى معيناً يكونون أكثر قدرة على التعامل معه على المدى الطويل.
ولهذا، فإن الاستمرار في أداء المسؤوليات رغم الشعور بأنك «بالكاد متماسك» قد يكون شكلاً من أشكال المرونة النفسية، وليس دليلاً على الفشل.
العلامة الثانية: التشكيك بالنفس قد يكون علامة صحية أحياناً
قد يبدو الشك بالنفس عكس المرونة النفسية تماماً، لكنه ليس كذلك دائماً.
فالأبحاث النفسية تشير إلى أن القدرة على التفكير في المشاعر والسلوكيات وتحليلها تُعدّ جزءاً مهماً من التكيّف النفسي الصحي.
ويُعرف هذا المفهوم باسم:
«ما وراء المعرفة» (Metacognition)،
أي التفكير في طريقة تفكيرك نفسها.
التفكير التأملي… لا الاجترار السلبي
وجدت دراسة نُشرت عام 2025 في Journal of Human Behavior in the Social Environment أن الأشخاص الذين يمارسون التفكير التأملي يتمتعون بمستويات أعلى من المرونة النفسية.
لكن التقرير يوضح أن هناك فرقاً مهماً بين:
* التفكير التأملي البنّاء
* والاجترار السلبي
فالاجترار يعني الدوران المستمر داخل أفكار سلبية من دون الوصول إلى حلول، وهو يرتبط بارتفاع خطر القلق والاكتئاب.
أما التفكير التأملي، فيدفع الشخص إلى طرح أسئلة مثل:
* «ماذا يمكنني أن أتعلم من هذه التجربة؟»
* «كيف يمكنني أن أتصرف بشكل أفضل لاحقاً؟»
لماذا يساعد التأمل الذاتي؟
بحسب دراسة نُشرت عام 2023 في مجلة Healthcare، يرتبط التأمل الذاتي الواعي بتحسن تنظيم المشاعر والنمو النفسي بعد الصدمات.
ويشرح الخبراء أن هذا النوع من التفكير يساعد الأشخاص على:
* فهم تجاربهم الصعبة
* دمجها ضمن تصورهم لأنفسهم
* والتكيّف معها بدلاً من الانهيار بسببها
ولهذا، فإن إعادة التفكير بالنفس أو التشكيك ببعض التصرفات لا يعني بالضرورة عدم الاستقرار النفسي، بل قد يكون جزءاً من عملية التكيّف والنضج النفسي.
لماذا لا نلاحظ مرونتنا النفسية؟
يشير التقرير إلى أن كثيرين يقللون من مرونتهم النفسية لأنهم يربطون القوة بعدم المعاناة.
لكن الواقع مختلف.
فالمرونة غالباً لا تظهر في لحظات بطولية كبيرة، بل في أفعال صغيرة ومتكررة، مثل:
* التعامل بلطف رغم الإرهاق
* التحكم بردّات الفعل
* طلب الراحة عند الحاجة
* أو الاستمرار خطوة بخطوة رغم الصعوبة
ومع الوقت، تتراكم هذه السلوكيات الصغيرة لتساعد الإنسان على التعامل بشكل أفضل مع الضغوط المستقبلية.
الخلاصة
المرونة النفسية لا تعني أن الإنسان لا يتعب أو لا ينهار أو لا يشك بنفسه.
بل قد تظهر أحياناً في أبسط الأفعال اليومية: الاستمرار رغم الإرهاق، ومحاولة فهم المشاعر والتعلّم من التجارب بدلاً من الهروب منها.
وتشير الأبحاث إلى أن التكيّف مع الصعوبات لا يحتاج إلى «قوة خارقة»، بل إلى القدرة على الاستمرار والتعامل مع الألم خطوة بخطوة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
