تواجه الإستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادي اختبارا متزايد التعقيد، في ظل تنامي التعاون بين خصوم واشنطن وانتقال الخبرات العسكرية والأسلحة والتكنولوجيا بين ساحات الصراع.
وتكشف مقالتان نشرتا في مجلة فورين بوليسي في أغسطس/آب 2026 أن واشنطن لم تعد تواجه تحديات منفصلة يمكن التعامل معها كل على حدة، وإنما شبكة مترابطة من التهديدات تمتد من الحرب الروسية على أوكرانيا إلى شبه الجزيرة الكورية والمحيط الهادي، فيما تحاول الإدارة الأمريكية إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية على حلفائها.
وفي هذا السياق، يحذر دونغاك هيو -في مقاله بالمجلة- من أن مشاركة كوريا الشمالية في الحرب الروسية على أوكرانيا تمنح قواتها خبرة قتالية نوعية قد تنعكس بصورة مباشرة على أي مواجهة مستقبلية في شمال شرق آسيا.
وفي مقال آخر نشرته المجلة في اليوم نفسه، يرى تشارلز إيدل وكاثرين بايك أن المحيط الهادي تحول إلى ساحة مركزية للتنافس بين القوى الكبرى، وأن مجرد الوجود الأمريكي في المنطقة لم يعد كافيا لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي.
وبينما يركز هيو على انتقال الخبرة العسكرية الكورية الشمالية من أوروبا إلى آسيا، يركز إيدل وبايك على السباق الدبلوماسي والاقتصادي والأمني بين واشنطن وبكين في جزر المحيط الهادي.
لكن المقالين يلتقيان عند استنتاج إستراتيجي أساسي، وهو أن الولايات المتحدة لم يعد بإمكانها التعامل مع كل مسرح جغرافي باعتباره ملفا منفصلا، لأن خصومها أنفسهم باتوا يربطون بين هذه الساحات.
وتبرز الحرب الأوكرانية بوصفها مثالا واضحا على هذا التحول، فبحسب هيو، زوّدت كوريا الشمالية روسيا بكميات كبيرة من ذخائر المدفعية والصواريخ الباليستية، وأرسلت آلاف الجنود إلى الأراضي الروسية، وهي تحصل في ذلك على فرصة نادرة لاختبار قواتها وأنظمتها الصاروخية في ظروف حرب حقيقية، بما في ذلك مواجهة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي الغربية.
ولا تقتصر المكاسب الكورية الشمالية على الخبرة البشرية، فالميدان الأوكراني يوفر لبيونغ يانغ -وفق المقال- بيانات عملية متكررة حول أداء صواريخها في ظروف قتالية حقيقية.
ويشير هيو إلى تقارير أفادت بأن الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية التي تستخدمها روسيا أصبحت أكثر دقة مقارنة بالإصدارات السابقة، مما يعني أن التعاون العسكري بين موسكو وبيونغ يانغ يمكن أن يسهم في تحسين القدرات التي قد تواجهها القوات الأمريكية والكورية الجنوبية مستقبلا في شبه الجزيرة الكورية.
وتزداد خطورة هذا التطور لأن روسيا لا تمنح كوريا الشمالية الخبرة العسكرية فحسب، وإنما توفر لها أيضا شريكا من القوى الكبرى قادرا على التعاون معها رغم العقوبات والضغوط الدولية.
وهنا تبرز إحدى المعضلات الرئيسية في إستراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لأن إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية تقوم على مبدأ “تقاسم الأعباء ونقلها”، بحيث يتحمل الحلفاء الأغنياء المسؤولية الأساسية عن أمن مناطقهم، بينما تؤدي الولايات المتحدة دور المنسق والداعم لشبكة أوسع من الشركاء.
ووفق هذا التصور، تتولى الدول الأوروبية دورا أكبر في الدفاع عن أوروبا ودعم أوكرانيا، بينما تتحمل كوريا الجنوبية مسؤولية أكبر عن ردع كوريا الشمالية، مع تقديم واشنطن دعما أمريكيا أكثر محدودية.
لكن العلاقات المتنامية بين روسيا وكوريا الشمالية تقوّض هذا الفصل الجغرافي، لأن الفصل بين مسؤولية أوروبا ومسؤولية كوريا الجنوبية يصبح أكثر صعوبة، وبالتالي لا تستطيع واشنطن توزيع المسؤوليات بين حلفائها، كما أنها لا تستطيع أن تفرض على خصومها توزيع تهديداتهم بالطريقة نفسها.
وفي المقابل، تكشف قراءة إيدل وبايك أن المشكلة ذاتها تظهر في المحيط الهادي ولكن بأدوات مختلفة، فالصين لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية، بل تعمل على بناء شبكة طويلة الأمد من العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع دول جزر المحيط الهادي.
ويشير الكاتبان إلى أن اتفاق الصين الأمني مع جزر سليمان عام 2022 كان نقطة تحول كشفت إمكانية تحول النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي الصيني إلى حضور أمني أكثر رسوخا.
وتعتبر واشنطن هذه التطورات مقلقة بسبب الموقع الجغرافي لهذه الجزر، فالمحيط الهادي يشكل حلقة وصل إستراتيجية بين الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا وأوقيانوسيا، مثل أستراليا واليابان والفلبين، ولذلك فإن خسارة النفوذ في دول الجزر الصغيرة قد تكون لها تداعيات تتجاوز حجم تلك الدول وإمكاناتها العسكرية المحدودة.
ويحذر إيدل وبايك من أن واشنطن ارتكبت على مدى عقود خطأ يتمثل في التعامل مع جزر المحيط الهادي باعتبارها منطقة ثانوية، قبل أن تدرك في السنوات الأخيرة حجم الفراغ الذي سمح للصين باستغلاله.
وقد حاولت إدارة الرئيس جو بايدن تصحيح المسار من خلال توسيع الانخراط الأمريكي واستضافة قادة دول المحيط الهادي وتقديم مساعدات تنموية وأمنية، لكن الكاتبين يخشيان من أن تؤدي التحولات في سياسة ترامب الخارجية إلى إضعاف هذا الزخم.
إذا كان الحلفاء لا يعرفون مسبقا اتجاه القرارات الأمريكية، يصبح من الصعب بناء إستراتيجية مشتركة لمواجهة خصوم يتحركون وفق خطط طويلة الأمد
وفي مواجهة الصين، لا يدعو المقال إلى سباق عسكري مكلف بقدر ما يدعو إلى حضور أمريكي أكثر انتظاما وفاعلية، يبدأ من الدبلوماسية ويمتد إلى الأمن البحري والبنية التحتية والصحة والتعليم ومكافحة الجريمة المنظمة والطاقة والتجارة.
وهنا تلتقي هذه الرؤية مع استنتاج هيو بشأن كوريا الجنوبية، إذ المشكلة ليست في مطالبة الحلفاء بتحمل مسؤولية أكبر، وإنما في كيفية ضمان أن يؤدي تقاسم الأعباء إلى مزيد من التنسيق لا إلى مزيد من الانفصال بينهم.
وفي الحالة الكورية، يقترح هيو أن تستفيد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بصورة مباشرة من المعلومات التي يتم جمعها في أوكرانيا حول الصواريخ الكورية الشمالية وتكتيكات قواتها وقدرتها على التكيف في ظروف الحرب الحديثة.
وفي الاتجاه المعاكس، تستطيع سول أن تنقل خبرتها الطويلة في مراقبة الجيش الكوري الشمالي إلى أوكرانيا والدول الأوروبية التي تواجه الأسلحة والأفراد الكوريين الشماليين.
وتملك واشنطن وفق هذا التصور، ميزة لا تتوفر بسهولة لأي طرف آخر، باعتبارها محورا لشبكات التحالفات الأمنية في كل من أوروبا وآسيا، غير أن أداء هذا الدور يتطلب درجة عالية من الثقة والقدرة على التنبؤ.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف التي يشير إليها المقالان، لأنه إذا كان الحلفاء لا يعرفون مسبقا اتجاه القرارات الأمريكية، يصبح من الصعب بناء إستراتيجية مشتركة لمواجهة خصوم يتحركون وفق خطط طويلة الأمد.
وتضيف روسيا بعدا آخر إلى هذه المعادلة، فهي -بحسب هيو- لا تستخدم كوريا الشمالية كمصدر للذخائر والجنود فقط، بل تعمل في الوقت نفسه على تطوير علاقة إستراتيجية معها، مما يثير مخاوف من أن تحصل بيونغ يانغ في المقابل على تقنيات أو مساعدات أو معرفة عسكرية روسية تعزز قدراتها.
وفي هذه الحالة، تصبح الحرب الأوكرانية جزءا من معادلة الأمن في شبه الجزيرة الكورية، كما يصبح أمن كوريا الجنوبية مرتبطا بصورة أكبر بالتطورات في أوروبا.
أما في المحيط الهادي، فإن صعود الصين يفرض على الولايات المتحدة مواجهة منافس يمتلك قدرة متنامية على استغلال الاحتياجات الاقتصادية والسياسية للدول الصغيرة، ولذلك فإن واشنطن لا تواجه فقط منافسة على القواعد أو الموانئ، وإنما منافسة على الثقة والنفوذ والعلاقات طويلة الأمد.
ويخلص المقالان، كل من زاويته، إلى أن التنسيق بين الحلفاء يجب أن يصبح عابرا للمناطق الجغرافية، فلا يمكن للولايات المتحدة أن تطلب من أوروبا التعامل مع روسيا، ومن كوريا الجنوبية التعامل مع كوريا الشمالية، ومن أستراليا وشركائها التعامل مع تحديات المحيط الهادي، ثم تتوقع أن تبقى هذه الملفات منفصلة.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن

