مرشد ملوك
من المفترض أن تضع القرارات والأخبار المصرفية الجديدة، المتعلقة بعودة قروض الدخل المحدود في مصرف التسليف الشعبي، ومناقشة طرح منتجات مصرفية جديدة في المصرف الصناعي، المشهدَ المصرفي السوري، في المصارف العامة والخاصة، أمام مرحلة جديدة تحتم على المصارف السورية العامة والخاصة أن تقوم بدورها في منح قروض الدخل المحدود، أو ما يسمى قروض التجزئة، إضافة إلى القروض الصناعية الإنتاجية، والقروض الزراعية، والسياحية، والقروض الموجهة لأصحاب المهن والحرف، ولكل نشاط يقدم قيمة مضافة للحياة والعمل والإنتاج في سوريا، سواء بصيغة القروض التقليدية أو بصيغ التمويل الإسلامي، وفق حاجة ورغبة كل من يشاء، وهو ما يعد من أساسيات التحول الاقتصادي الذي يترقبه الناس.
في المصارف وفي جيوب الناس..؟
أيها السادة، آن الأوان لأن تعيش سوريا الجديدة حياة مصرفية مختلفة عن كل الظروف التي مر بها القطاع المصرفي السوري، والذي أظهر مناعة واضحة رغم ظروف الحرب التي مرت على البلاد.
وفي تقييم المراحل السابقة، والتي تمثلت آخر خطواتها بتجميد السيولة في المصارف، بدا واضحًا أن أي خطوة إسعافية، سواء كانت مبررة أم لا، لن يكون لها أثر مالي أو اقتصادي فعّال ما لم تقترن بخطة متوسطة وطويلة الأجل، توجه الأموال الموجودة في المصارف وفي جيوب الناس نحو العمل والإنتاج. وما المستويات التي وصل إليها سعر صرف الليرة السورية إلا تأكيد وبرهان عملي على ذلك.
منظومة المصارف العامة
تملك سوريا منظومة مصرفية عامة مملوكة للخزينة العامة للدولة، وهي منظومة راسخة تقدم القروض الزراعية عبر المصرف الزراعي، الذي يعتبر “تروستًا مصرفيًا” بحد ذاته، من خلال 106 فروع، بخبرة مصرفية تعود إلى عام 1882، وهي خبرة لا تقدر بثمن.
كما تقدم المنظومة المصرفية العامة قروض التجزئة البسيطة، المعروفة بقروض الدخل المحدود، عبر مصرفي التسليف الشعبي والتوفير، إضافة إلى القروض الصناعية والمهنية عبر المصرف الصناعي، والقروض العقارية عبر المصرف العقاري، فضلًا عن المصرف التجاري السوري، الذي يصنف من أكبر المؤسسات المصرفية في المنطقة، ويتولى تمويل التجارة الخارجية.
وفي المقابل، دخلت هذه المصارف في مفهوم الشمول المالي عبر تنويع منتجاتها المصرفية.
الإصلاح لن يكون بالدمج
في الفترات السابقة، تنطحت السلطات النقدية والمالية لمحاولات دمج هذه المصارف، لكن الإصلاح، من وجهة نظرنا، يتمثل بالحفاظ على هذه المؤسسات، وإدخالها في منظومة حقيقية من الشفافية والحوكمة، عبر مجالس إدارات فعالة تصدر تقارير مالية ربع سنوية ونصف سنوية وسنوية، أسوة بالمصارف الخاصة.
ويمكن تحقيق ذلك عبر تحويلها إلى شركات مساهمة عامة، تطرح جزءًا من رأسمالها للاكتتاب العام، على أن تكون الأولوية لموظفي المصرف في الاكتتاب الأول، وفي حال عدم اكتماله تُطرح الأسهم أمام عموم المواطنين.
المصارف الخاصة.. تقلبات حادة
أما فيما يتعلق بالمصارف الخاصة السورية، والتي يبلغ عددها 15 مصرفًا، منها أربعة مصارف إسلامية و11 مصرفًا خاصًا، فإن التبدلات البنيوية الحادة في هيكلية وملكية هذه المصارف لم تتوقف، تبعًا لتقلبات المصالح والظروف التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية.
فقد اختفى كل من بنك “عودة سرادار” وبنك “بيبلوس” من السوق السورية، وهذان المصرفان استمرا خلال سنوات الحرب حتى عام 2024، ليظهر بدلًا منهما “بنك الائتمان الأهلي” بدلًا من “عودة”، و”شهبا بنك” بدلًا من “بيبلوس”.
لا معايير اقتصادية..!!
الحقيقة أن هذه التحولات في الأسماء والملكيات لم تتم وفق معايير اقتصادية ومصرفية دقيقة تعتمد على الشفافية المطلوبة، سواء فيما يتعلق بالأسماء أو الملكيات، رغم تمرير الصفقات في سوق دمشق للأوراق المالية ضمن ما يسمى “الصفقات الضخمة”، حيث ظهرت الملكيات بأسماء شخصيات غير معروفة، بعيدًا عن المؤسسات المصرفية المتعارف عليها عالميًا، أو عن الأسس التي قامت عليها السوق المصرفية السورية الخاصة أساسًا في عام 2005.
فقد قام كل من بنك بيمو السعودي الفرنسي وبنك الائتمان الأهلي، بتاريخ 24 نيسان 2024، بتنفيذ عملية شراء كامل حصة بنك بيبلوس في رأسمال “شهبا بنك” (بنك بيبلوس سابقًا)، والبالغة نحو 60% من رأس المال، ما يعني عمليًا انسحاب بنك بيبلوس من السوق السورية.
استحواذ مصرفي
وبذلك بلغت نسبة مساهمة بنك بيمو السعودي الفرنسي في رأسمال “شهبا بنك” نحو 36%، فيما بلغت مساهمة بنك الائتمان الأهلي نحو 24%، وذلك بعد موافقة سوق دمشق للأوراق المالية ومجلس النقد والتسليف، ومن ثم مجلس الوزراء.
كما أصبح بنك بيمو يمتلك نحو 73% من رأسمال بنك الائتمان الأهلي، إضافة إلى 36% من رأسمال “شهبا بنك”، بينما يمتلك بنك الائتمان الأهلي 24% من رأسمال “شهبا بنك”.
ووفق المعايير المالية، فإن ذلك يصنف على أنه عملية استحواذ مصرفي قد تؤثر على المنافسة العادلة بين المؤسسات المصرفية العاملة في البلاد.
ترك الحبل على الغارب.. وكل يفعل ما يشاء
في جميع الأحوال، وعلى المستوى الشعبي أو على مستوى قطاع الأعمال، فإن ما يهمنا هو أن تقوم هذه المصارف بالدور الاقتصادي المطلوب منها في تمويل الصناعة والزراعة والسياحة وأصحاب المهن العلمية وغير العلمية، باستثناء مصرف أو مصرفين فقط ما زالا يؤديان دورًا محدودًا في التمويل المهني والصناعي والتجاري.
إن قيام المصارف الخاصة بدورها الحقيقي هو المهمة الأساسية المطلوبة من مصرف سوريا المركزي، من خلال الإشراف والتقييم ونشر البيانات بشفافية وإفصاح حول ما تقوم به أغلب المصارف الخاصة في السوق السورية، والدور الذي يجب أن تؤديه في خدمة الاقتصاد والمجتمع الذي منحها المال والوجود، لا أن يُترك الحبل على الغارب، وكل يفعل ما يشاء
(موقع اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
