اتّجهت الأنظار، الأربعاء الفائت، إلى اللقاء الذي كان سيُعقد في غرناطة جنوبيّ إسبانيا في اليوم التالي، قبل أن تأتي المفاجأة من آذربيجان بإعلانها أن رئيسها، إلهام علييف، لن يشارك في المؤتمر الخماسي الذي افترض أن يضمّه إلى رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، وكلّ من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني، أولاف شولتز، ومسؤول الاتحاد الأوروبي، شارل ميشال. وبرّرت المصادر الآذربيجانية مقاطعة باكو اللقاء بسببَين: أوّلهما، ما قالت إنه رفض برلين وباريس طلبها إشراك أنقرة في الاجتماع، وثانيها، سياسة فرنسا الداعمة لأرمينيا، والتي تجلّت بعض معالمها في تصريحات وزير الدفاع الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، وزيارة وزيرة الخارجية، كاترين كولونا، إلى يريفان، حيث أكدت أن بلادها ستقدّم كلّ أنواع الدعم العسكري للأخيرة. وأعلنت كولونا، عقب زيارة لها إلى العاصمة الأرمينية الثلاثاء الماضي، التقت خلالها نظيرها، أرارات ميرزويان، أنها وقّعت على اتفاقيات تزويد فرنسا، أرمينيا، بالسلاح لـ«الدفاع عن نفسها». كما التقت المسؤولة الفرنسية، أيضاً، باشينيان الذي شكرها على الزيارة والدعم في مواجهة التطهير العرقي في قره باغ، فيما عدّت هي خطوتها واحداً من مظاهر المساندة الفرنسية لأرمينيا، مشيرةً إلى أن باريس خصّصت 12.5 مليون يورو للدعم الإنساني ليريفان. وتُضاف إلى ما تَقدّم، تصريحات ماكرون إلى محطّات فرنسية، والتي اعتبر فيها أن «أرمينيا مهدَّدة من حكومتَي آذربيجان وتركيا التي تدعم دائماً مناورات باكو».
وعلى رغم إلغاء المؤتمر الخماسي، دعا رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، آذربيجان وأرمينيا إلى الموافقة المتبادلة على الاعتراف بسيادة كلّ منهما على كامل أراضيها، مدافعاً، في إجابته سؤالاً من صحافي تركي، بأن «التشكيك في حيادية الاتحاد الأوروبي ورغبته الآن في التوسّط في الأزمة في القوقاز لا معنى لها، لأن الاتحاد يريد الاستقرار في المنطقة». وكان باشينيان أوضح، عشيّة مغادرته إلى إسبانيا، أن لدى بلاده ثلاثة محدّدات للتوصّل إلى سلام مع آذربيجان: الأوّل، اعتراف كلّ بلد بحدود البلد الآخر، أي أن تعترف آذربيجان بـ29800 كيلومتر هي مساحة أرمينيا، وأن تقرّ الأخيرة بـ86600 كيلومتر هي مساحة الأولى؛ والثاني، ترسيم الحدود بين البلدَين والتوصّل إلى اتفاق وفقاً للخرائط المتوفّرة (اقترح باشينيان، في هذا الإطار، أن تكون خرائط عام 1975 هي الأساس للترسيم)؛ والثالث، فتح المواصلات في المنطقة على أساس سيادة الدول وسيادة القضاء والتشريع والمساواة في كلّ منها.

ومنذ بدء الهجوم الآذربيجاني الأخير على قره باغ، توالت الخطوات الأوروبية الداعمة لأرمينيا، ومن بينها مصادقة البرلمان الأوروبي على قرار يدين بشدّة «الاعتداء العسكري غير المحقّ» من قِبَل باكو على الإقليم، وذلك بغالبية ساحقة بلغت 491 صوتاً، مقابل اعتراض 9 أصوات فقط، وامتناع 36 آخرين عن التصويت. وعدّ القرار تهجير أكثر من مئة ألف أرميني من قره باغ بمثابة «تطهير عرقي»، مطالباً بـ«تشكيل لجنة تحقيق في ممارسات الجيش الآذربيجاني، والتي يمكن أن تشكّل جرائم حرب». كما اتّهم باكو بأنها «أخلّت بتعهّداتها باحترام القانون الدولي، وهذا ما لا ينسجم مع أهداف السياسة الخارجية الأوروبية»، داعياً إلى «تقليل الاعتماد على الغاز الآذربيجاني، والوقف التامّ لواردات النفط والغاز من آذربيجان في حال اعتدت على أرمينيا».

منذ بدء الهجوم الآذربيجاني الأخير على قره باغ، توالت الخطوات الأوروبية الداعمة لأرمينيا

من جهته، وعلى غرار طارق بن زياد، أحرق باشينيان مراكب العلاقات مع روسيا، وأوعز إلى أركان حكومته بالسير قُدُماً نحو «حلفاء» جلّ ما يتطلّع إليه منهم، هو أن يساعدوه على حفظ ما تبقّى من كيان أرميني بحدوده الدولية المعروفة. وتسارعت، في الأيام القليلة الماضية، الخطوات الأرمينية التي تعكس قراراً نهائياً بقطع العلاقات التاريخية مع موسكو؛ ففي الثالث من الشهر الجاري، انعقد البرلمان الأرميني في يريفان، واتّخذ قراراً بالموافقة على الانضمام إلى البروتوكول الخاص بـ«المحكمة الجنائية الدولية»، وذلك بغالبية ستين صوتاً، مقابل رفض 22 صوتاً فقط، هي العائدة إلى أحزاب المعارضة التي اعتبرت القرار مخالفاً للدستور الأرميني. وبما أن حكماً صادراً عن المحكمة في 17 آذار الماضي، باعتقال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في حال تواجده في أيّ من الدول المنضمّة إلى البروتوكول المذكور، فإن قرار البرلمان، والذي سيصبح نافذاً بعد شهرَين، يُعتبر معادياً لروسيا، وهو سيحول دون أيّ زيارة لبوتين إلى أرمينيا في المستقبل.

وبينما دافع باشينيان بأن تلك الخطوة ليست مُوجَّهةً ضدّ روسيا، بل تأتي لحماية أرمينيا من جانب القانون الدولي في ظلّ الصراع الحادّ الذي تعيشه مع آذربيجان، فقد وصفها الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بأنها «معادية إلى أقصى درجة». وكان بوتين عدّ، عبر حوار في منتدى فكري – سياسي انعقد في مدينة سوتشي، استعادة آذربيجان لقره باغ «أمراً طبيعياً»، معتبراً أن اعتراف يريفان بسيادة باكو على الإقليم بعد حرب عام 2020، «غيّر كلّ شيء»، مشيراً إلى أن «أرمينيا رفضت سابقاً العديد من المقترحات الروسية لتسوية الأوضاع؛ إذ اقترحنا قبل 15 عاماً إعطاء خمسة أقاليم من قره باغ لآذربيجان واثنين لأرمينيا، لكن الأخيرة رفضت». وأكد أنه «إذا أرادت يريفان مواصلة علاقة التحالف مع موسكو فإن روسيا مستعدّة لمواصلة مساعداتها لأرمن قره باغ». لكن مع سيطرة آذربيجان الكاملة على قره باغ، بدأت قوات حفظ السلام الروسية تنسحب تدريجاً من المنطقة، فيما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها أخلت ثلاث مناطق هي: عسكران وآغديري وشوشه.
في هذا الوقت، تستمرّ آذربيجان في ملاحقة الرموز الأرمينية في «جمهورية آرتساخ» السابقة، حيث كان آخر المعتقلين وأهمّهم رئيس الدولة السابق، أراييق هاروتيونيان (50 عاماً)، الذي اعتُقل أثناء محاولته الانتقال من قره باغ إلى أرمينيا. وانتُخب هاروتيونيان رئيساً لـ«آرتساخ» عام 2020 عشيّة الحرب الكبرى مع آذربيجان، واستقال في 31 آب الماضي، وهو متَّهم بأنه وراء إعطاء أمر خلال الحرب المُشار إليها بقصف مدينة غنجه الآذربيجانية، ما تسبّب بسقوط عدد كبير من القتلى. وإلى جانب هاروتيونيان، اعتُقل أيضاً كلّ من وزير الدولة السابق روبن فاردانيان، ووزير الدفاع السابق ليفون مناتساكانيان، ومساعد قائد الجيش الأول السابق دافيد مانوكيان، ووزير الخارجية السابق دافيد بابايان، ليصل عدد المعتقَلين إلى الآن إلى ثمانية، وذلك من أصل قائمة أصدرها مدّعي عام آذربيجان، قمران علييف، وتضمّ أسماء 300 شخص.