رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد
*”الخوف في ظل الاستبداد ليس جريمة، والصمت ليس دليلاً على المشاركة، والتعميم الطائفي شكل من أشكال الظلم”
في افتتاحية نُشرت يوم الأحد الماضي تحت عنوان: “لا تُحاسَب المكونات الاجتماعية… بل يُحاسَب المجرمون”، أكدتُ موقفاً مبدئياً يقوم على رفض تحميل أي مكوّن اجتماعي أو طائفة أو جماعة بشرية مسؤولية جرائم يرتكبها أفراد أو مؤسسات أو سلطات.
وقد لاقت تلك الافتتاحية صدىً إيجابياً لدى معظم القراء من مختلف مكونات المجتمع السوري، إلا أن بعض التعليقات ذهبت باتجاه التحريض الطائفي والاتهام الجماعي، وهو ما يدفعني للعودة إلى التأكيد على الفكرة ذاتها، خاصة في ظل استمرار هذا النوع من الخطاب كلما كُشفت جريمة أو أُلقي القبض على مجرم.
إنني أحترم غضب كل من تضرر من جرائم النظام السابق، وأتفهم حجم الألم الذي خلفته سنوات الثورة والحرب وما رافقها من مآسٍ وانتهاكات. لكن رفض التعميم الطائفي أو الجماعي لا يعني تبرئة أي مجرم، ولا إنكار أي جريمة، ولا التقليل من معاناة الضحايا، بل يعني التمسك بمبدأ العدالة نفسه.
فإدانة جرائم نظام الأسد واي جرائم أخرى ارتكبت على الأرض السورية لا تعني إدانة كل من ينتمي إلى طائفة معينة، تماماً كما أن محاسبة المجرمين يجب أن تكون فردية وعادلة، لا جماعية وعشوائية. فالعدالة تقوم على تحديد المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين، لا على تعميم الاتهام والكراهية على ملايين البشر بسبب هوياتهم أو انتماءاتهم.
يمكن لأي شخص أن يختلف معي أو ينتقد مواقفي السابقة أو الحالية، وهذا حق مشروع. لكن ذلك لا يغيّر من صحة هذا المبدأ، لأن العدالة لا تتبدل بتبدل المواقف السياسية، ولا تُقاس بحجم الغضب أو الألم، مهما كان مشروعاً.
إن إدانة الجرائم واجب أخلاقي وقانوني، وقد اختلف السوريون في مواقفهم من النظام وسياساته خلال السنوات الماضية. لكن موضوع النقاش هنا ليس الدفاع عن النظام، ولا عن أي شخص ارتكب جريمة أو شارك فيها، وإنما رفض معاقبة أو شيطنة جماعة كاملة بسبب أفعال بعض أفرادها. فالعدالة فردية، أما التعميم الطائفي فليس عدالة، بل شكل آخر من أشكال الظلم.
كما أن الصمت تحت الخوف ليس دليلاً على التأييد، وعدم المعارضة العلنية ليس دليلاً على المشاركة في الجريمة، خصوصاً في ظل نظام كان يعرّض معارضيه للاعتقال أو الاختفاء القسري أو القتل.
ليس من العدل أن يُعتبر كل من بقي في سوريا أو لم يعلن معارضته للنظام شريكاً في جرائمه. فالكثير من الناس عاشوا سنوات طويلة تحت وطأة الخوف والتهديد، وكان ثمن الاعتراض بالنسبة لهم السجن أو الاختفاء أو حتى الموت.
فالأنظمة الاستبدادية لا تُقاس فيها المواقف بما يُقال علناً فقط، لأن القدرة على التعبير ليست متاحة للجميع بالقدر نفسه. ولذلك فإن غياب المعارضة العلنية لا يكفي لإدانة الناس، كما أن وجود ضحايا من مختلف الانتماءات يؤكد أن الخوف كان يطال الجميع دون استثناء.
ومن المهم أيضاً إدراك أن كثيراً من السوريين لم يكونوا يمتلكون الصورة الكاملة لما كان يجري داخل الأفرع الأمنية ومراكز الاحتجاز، في ظل بيئة إعلامية مغلقة وسيطرة شبه كاملة على مصادر المعلومات. فهناك من كان يعتقد أن ما يجري يندرج في إطار مواجهة جماعات مسلحة أو تنظيمات مصنفة إرهابية، خاصة في ظل الخطاب الرسمي السائد آنذاك، وما رافقه من قرارات وتصنيفات دولية طالت بعض التنظيمات المتطرفة.
وهذا لا ينفي وقوع جرائم وانتهاكات جسيمة بحق أبرياء، ولا يبررها بأي شكل من الأشكال، لكنه يفسر لماذا اختلفت قراءات الناس للأحداث ولماذا لم يكن جميع المواطنين على الدرجة نفسها من المعرفة أو الاطلاع على حقيقة ما كان يحدث. فالمعرفة بالجرائم والمسؤولية عنها ليست أمراً يُفترض تلقائياً بحق كل من عاش في ظل النظام أو سمع روايته للأحداث، بل يجب التمييز بين من ارتكب الجريمة أو شارك فيها أو علم بها وساهم في التستر عليها، وبين من لم يكن يمتلك المعلومات الكافية أو كان أسيراً لرواية أحادية المصدر.
إن المسؤولية الجنائية والأخلاقية تقع على من ارتكب الجريمة أو أمر بها أو شارك فيها أو حرّض عليها، لا على كل من عاش تحت سلطة النظام أو اضطر للتكيف مع ظروف فرضتها عليه معادلات القوة والخوف والبقاء.
في الدول الديمقراطية قد يُنظر إلى الصمت بوصفه موقفاً سياسياً، أما في الأنظمة الأمنية والقمعية فقد يكون وسيلة للبقاء على قيد الحياة. لذلك لا يجوز تحويل الخوف إلى تهمة، ولا الصمت إلى إدانة.
ولا يمكن بناء العدالة على المنطق نفسه الذي أنتج الظلم. فإذا كنا نرفض إدانة الأبرياء بسبب انتمائهم، فعلينا أن نرفض ذلك المبدأ أياً كانت الجهة المستهدفة وأياً كانت الظروف.
الخوف من سلطة قمعية ليس جريمة، والنجاة في ظروف الاستبداد ليست تهمة. وليس كل من صمت كان مؤيداً، كما أن ليس كل من تكلم كان قادراً على تغيير الواقع. فظروف الناس وقدراتهم والمخاطر التي واجهوها لم تكن واحدة.
إن العدالة الحقيقية تبحث عمّن فعل وحرّض وأمر وشارك، أما التعميم فيبحث عن جماعة كاملة ليحمّلها الذنب بصورة جماعية. وبين العدالة والتعميم فرق جوهري يجب ألا نغفله إذا كنا نريد بناء دولة قانون ومواطنة ومؤسسات.
فلا يجوز أن ننتقل من تحميل الفرد مسؤولية أفعاله إلى تحميل الناس مسؤولية هوياتهم، ولا أن نستبدل الظلم بظلم آخر، أو الكراهية بكراهية مضادة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الصراعات هو الانتقال من ظلم الأفراد إلى ظلم الجماعات، ومن محاسبة المسؤولين إلى اتهام الناس على أساس هوياتهم. فالمجتمعات لا تُبنى بالثأر الجماعي، بل بالعدالة التي تفرق بين المذنب والبريء، وبين المسؤول عن الجريمة ومن لا علاقة له بها.
إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على الاتهامات الشاملة أو الكراهية المتبادلة، بل على العدالة والمحاسبة وسيادة القانون، وعلى التمييز الواضح بين المجرمين الذين يجب أن يحاسبوا، وبين ملايين المواطنين الذين لا يجوز أن يتحولوا إلى مدانين بسبب انتماءاتهم أو هوياتهم الاجتماعية
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

