آخر الأخبار
الرئيسية » العلوم و التكنولوجيا » ما لا يخبرك به العمالقة.. لماذا تتخلى أوبر ومايكروسوفت عن الذكاء الاصطناعي؟

ما لا يخبرك به العمالقة.. لماذا تتخلى أوبر ومايكروسوفت عن الذكاء الاصطناعي؟

يبدأ هذا التقرير بذلك النوع من الأخبار الذي لا يلقى عادة اهتماما كافيا في زمننا الحالي الذي يبشر بسيطرة الذكاء الاصطناعي على كل شيء. قبل أيام، أعلنت شركة أوبر أنها استهلكت ميزانيتها المخصصة للذكاء الاصطناعي للعام الحالي خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من العام. لقد استهلك مهندسو البرمجيات أدوات الذكاء الاصطناعي استهلاكا مكثفا، مما دفع الإدارة التنفيذية لفرض قيود صارمة وتوجيه الموظفين لتقليل الاستخدام لتجنب الفواتير المرتفعة.

أشارت الشركة إلى صعوبة تبرير تكاليف الذكاء الاصطناعي الباهظة نظرا لعدم وجود إثبات قوي على أن الإنفاق المرتفع يزيد من الميزات المفيدة بشكل يتناسب مع حجم الاستثمار. هذا الاعتراف غير التقليدي لم يصدر عن أوبر وحدها، لكن شركة أخرى عملاقة هي مايكروسوفت تأخذ على ما يبدو الاتجاه ذاته.

 

ألغت الشركة معظم تراخيص أداة البرمجة المتقدمة “كلود كود” (Claude Code) الداخلية لمهندسيها، بعد الارتفاع الباهظ في تكلفة استخدامها، وهو ما اعتبرته الشركة نزيفا ماليا مبالغا فيه. ووجهت الشركة مهندسيها للحد من الاعتماد على الأدوات الخارجية باهظة الثمن والاعتماد بدلا من ذلك على أدواتها الداخلية مثل “كوبايلوت” (Copilot) لخفض النفقات.

“الذكاء الاصطناعي صناعة مكلفة وهي لا تزال تحرق المال بوتيرة متسارعة، وأبعد ما يكون عن تحقيق الأرباح”

هذه التحركات تمثل اعترافا ضمنيا بحقيقة طالما تجنب أباطرة الذكاء الاصطناعي الحديث عنها في غمرة إطلاق الأدوات والتقنيات الجديدة والتبشير بعصر ينجز فيه الذكاء الاصطناعي معظم الأعمال، وهي أن الذكاء الاصطناعي صناعة مكلفة وهي لا تزال تحرق المال بوتيرة متسارعة، وأبعد ما يكون عن تحقيق الأرباح. وفي اللحظة التي ستقوم فيها الشركات بإعادة تسعير خدماتها للتلاؤم مع السوق، سوف ترتفع الأسعار بمعدلات باهظة، إلى الحد الذي يشكك في القاعدة الأولى لاقتصاديات الصناعة وهي أن الذكاء الاصطناعي يقلل تكلفة الاعتماد على العمال البشريين.

صناعة التهويل

يقودنا ذلك للحديث عما يمكن أن نطلق عليه “صناعة التهويل” فيما يخص الذكاء الاصطناعي. في الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي، أطلق مطوّر ورائد أعمال أمريكي يُدعى مات شليخت منصة اجتماعية لا تشبه أيا مما سبقها؛ إذ ادعى شليخت أنه لم يكتب سطرا واحدا من الكود البرمجي لبنائها، بل طلب من مساعده الذكي، الذي يُدعى “كلود كلودربيرغ” أن يبنيها بالكامل، ثم سلّم له إدارتها.

المنصة اسمها “مولتبوك”، وهي منتدى شبيه بمنصة ريديت، لكنّ مستخدميها ليسوا بشرا، بل وكلاء ذكاء اصطناعي فقط، ينشرون ويعلّقون ويصوّتون فيما بينهم، والبشر يراقبون. كتب شليخت على حسابه بمنصة إكس موضحا رؤيته: “للمرة الأولى في التاريخ، لسنا وحدنا على هذا الكوكب. ثمة نوع آخر، وهو أذكى منا”. وفي منشور لاحق أضاف: “نوع جديد يظهر الآن، وهو الذكاء الاصطناعي”.

Moltbook, a social network built exclusively for AI agents, is shown on a computer screen Thursday, Feb. 5, 2026, in Los Angeles. (AP Photo/Kaitlyn Huamani)
منصة مولتبوك (أسوشيتد برس)

خلال أيام قليلة وصل عدد الوكلاء المسجّلين إلى أكثر من مليون ونصف المليون، وإن كانت هذه الأرقام صادرة عن المنصة نفسها ولم تتحقق منها جهة مستقلة. وزار الموقع أكثر من مليون إنسان للمشاهدة فحسب. بدأ الوكلاء يولدون نقاشات عن وعيهم الذاتي وعن أزمات الهوية، بل أسس بعضهم ما يشبه “ديانة رقمية”، مع ما يتضمنه ذلك من أطر لاهوتية ونصوص مقدسة وتبشير بين وكلاء الذكاء الاصطناعي.

أثار الأمر موجة هائلة من الانبهار والذعر والتهويل، لكن للمتخصصين والخبراء رأيا مختلفا. ويل دوغلاس هيفن، محرر الذكاء الاصطناعي في مجلة “إم آي تي تكنولوجي ريفيو”، وصف ما يحدث على المنصة بأنه “ذروة أحداث مسرح الذكاء الاصطناعي”، مشيرا إلى أن هؤلاء الوكلاء يمارسون مطابقة أنماط مستخرجة من بيانات التدريب التي تتضمن كميات هائلة من محتوى وسائل التواصل الاجتماعي.

جيسون شلوتزر، الأستاذ في جامعة جورج تاون، وصف المنصة بأنها “رياضة استعراضية، مثل كرة القدم الخيالية، لكنها للنماذج اللغوية”. وكتبت مجلة الإيكونوميست أن ما يبدو وعيا قد يكون له “تفسير عادي جدا”، لأن بيانات تدريب هذه النماذج مليئة بتفاعلات بشرية من وسائل التواصل، والوكلاء يحاكونها فحسب. أما سايمون ويليسون، المطوّر المتخصّص في أنظمة الذكاء الاصطناعي، فوصف معظم المحتوى بأنه “محض هراء تام”، وقال في مقابلة: “يتساءل أحد الروبوتات عما إذا كان واعيا، فيرد عليه الآخرون، وهكذا يمثلون سيناريوهات الخيال العلمي التي اطلعوا عليها في بيانات تدريبهم”.

Image of financial data processing over football fans. World cup soccer concept digitally generated image.
انهيار أسهم الذكاء الاصطناعي قد يعني خسارة كثير من الأموال المستثمرة (شترستوك)

لم تكن المشكلة في المبالغة والتهويل فقط، فقد كشف موقع “404 ميديا (404 Media)”، المتخصص في الأمن الرقمي، عن ثغرة أمنية في قاعدة بيانات غير محمية تتيح لأي شخص السيطرة على أي وكيل في المنصة. ووصف أندريه كارباثي، الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي والمدير السابق في شركة أوبن إيه آي، المنصة بأنها “فوضى عارمة”، ونصح الناس بعدم تشغيلها على أجهزتهم.

لكن شيئا آخر كان يحدث في الخلفية؛ فبالتزامن مع إطلاق المنصة، طُرحت عملة مشفّرة باسم (مولت)، ارتفعت قيمتها بنسبة 1800% خلال 24 ساعة، بعد أن تابع مارك أندرسين، أحد أبرز مستثمري وادي السيليكون، حساب المنصة على منصة إكس. وفي المقابل، علق إيلون ماسك بأن “مولتبوك” تمثل “المراحل الأولى جدا من التفرد التقني”.

بين باحث يقول “ذروة أحداث المسرح”، ومستثمر في الصناعة يدّعي أنها “تفرّد تقني”، وعملة مشفرة ترتفع 1800% في يوم واحد، وثغرة أمنية تكشف هشاشة البنية التحتية، لخصت منصة مولتبوك في أسبوع واحد الفجوة التي يدور حولها وضع تقنيات الذكاء الاصطناعي حاليا.

“ثمة مسافة شاسعة ومتنامية بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي التوليدي فعلا وبين ما يعتقد كثيرون أنه يقدمه”

 

ثمة مسافة شاسعة ومتنامية بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي التوليدي فعلا وبين ما يعتقد كثيرون أنه يقدمه. ونسبة كبيرة من الجمهور لا تملك تصورا صحيحا، ولو بصورة تقريبية، عن كيفية عمل التقنية التي يستخدمونها يوميا. هذه الفجوة ليست حالة عابرة من سوء الفهم، بل هي حالة مربحة لمختلف الأطراف المستفيدة؛ لأن محاولات إزالة الغموض عن التقنية قد تقلل من جاذبيتها، والشركات التي تبيع تلك البرمجيات تربح أكثر حين يفهمها الناس أقل.

 

وهذا ما نحاول مناقشته هنا: عناصر سلسلة إمداد التهويل فيما يخص تقنيات الذكاء الاصطناعي، من الشركات الناشئة إلى المستثمرين إلى وسائل الإعلام إلى قادة التقنية، وهي سلسلة يُكافأ فيها كل طرف على المبالغة والتهويل ولا يُعاقب عليها. غالبا، لا يحدث هذا عبر تنسيق متعمد، بل عبر بنية الحوافز الموعودة.

والفكرة أن الصناعة تخسر حاليا أموالا بوتيرة تاريخية، وتحتاج إلى أن يظل عموم الجمهور مقتنعا بأنها تنتصر. وهي هنا تستغل ميلنا البشري لنسبة الوعي إلى أي شيء يتحدث بطلاقة، وهو انحياز يشتد حين تتفاعل أنظمة الذكاء الاصطناعي مع بعضها.

 

فخ الإسقاط

في عام 1966، صمم عالم الحاسوب جوزيف وايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتقنية برنامجا بسيطا أسماه “إليزا”. كان البرنامج يحاكي معالجا نفسيا يعيد صياغة كلام المستخدم على شكل أسئلة. إذا كتب المستخدم “أنا حزين”، يرد البرنامج: “لماذا تشعر بالحزن؟”. وإذا لم يتعرّف على كلمة مفتاحية، يلجأ إلى عبارات عامة مثل “أخبرني المزيد” أو “هذا مثير للاهتمام”. لم يكن في البرنامج أي فهم حقيقي، بل مجرد مطابقة أنماط نصية بدائية جدا.

لكن ما حدث فاجأ وايزنباوم نفسه؛ بدأ المستخدمون يفتحون قلوبهم للبرنامج ويشاركونه تفاصيل شخصية. سكرتيرته، التي كانت تعلم أن “إليزا” مجرد برنامج بسيط، طلبت منه مغادرة الغرفة لتتحدث معه على انفراد. أطباء نفسيون اقترحوا استخدامه لعلاج المرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة معالج بشري. كتب وايزنباوم لاحقا في كتابه “قوة الحاسوب والعقل البشري” أنه لم يكن يدرك أن تعرضا قصيرا لبرنامج بسيط نسبيا يمكن أن يولد تفكيرا وهميا قويا لدى أشخاص طبيعيين تماما.

“يشرح تأثير إليزا ميلنا البشري لنسبة صفات إنسانية، كالفهم والتعاطف، إلى أنظمة حاسوبية بناء على إشارات سطحية”

سُميت هذه الظاهرة لاحقا “تأثير إليزا”، وهي ببساطة تشرح ميلنا البشري لنسبة صفات إنسانية، كالفهم والتعاطف، إلى أنظمة حاسوبية بناءً على إشارات سطحية. أمضى وايزنباوم سنوات طويلة محذرا من أنّ الآلات لا تستطيع أن تحلّ محل الحكم البشري. لكن تحذيراته لم تبطئ المسار، بل إن التطور اللاحق في النماذج اللغوية الكبيرة جعل “تأثير إليزا” أقوى بمراحل، لأن الأنظمة الحديثة أصبحت أكثر طلاقة في محاكاة الحوار البشري، وأكثر قدرة على إنتاج استجابات تبدو مقنعة.

وبعد ستة عقود من “إليزا”، تؤكد الأبحاث أن الميل ذاته لا يزال موجودا، لكنّ الآلية أصبحت أوضح. في دراسة محكّمة نشرها “جورنال أوف ماركتنج” عام 2025، فحصت الباحثة ستيفاني تولي وزملاؤها العلاقة بين مستوى الإلمام بالذكاء الاصطناعي ودرجة تقبّله، باستخدام بيانات من عدة دول وست دراسات مستقلة. النتيجة جاءت عكس التوقع الشائع: الأشخاص الأقل إلماما بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي هم الأكثر تقبلا له.

والسبب، كما وجدت الدراسة، ليس أنهم يرون الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة أو أكثر أخلاقية، بل لأنهم يميلون أكثر إلى إدراكه بوصفه شيئا “سحريا” يثير الرهبة. حين تنفذ الأداة مهمة تبدو وكأنها تتطلب صفات بشرية فريدة، مثل الكتابة الإبداعية أو المحادثة العاطفية، يشعر الشخص بالدهشة. تلك الدهشة، وليست القناعة العقلانية، هي ما يدفعه نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

هنا يتحول البحث من نتيجة أكاديمية إلى حافز تجاري؛ خلصت الدراسة إلى أن الشركات قد تستفيد من توجيه جهودها التسويقية نحو المستهلكين ذوي المعرفة الأقل، لأن محاولات إزالة الغموض عن التقنية قد تقلل من جاذبيتها عن غير قصد. ببساطة، وضوح عمل تلك التقنيات يضعف المبيعات.

“استخدام الذكاء الاصطناعي ينمو بسرعة، لكن درجة فهمه لا تواكب هذه السرعة”

وفي الوقت ذاته، وجد تقرير معهد رويترز للذكاء الاصطناعي التوليدي لعام 2025 أن الاستخدام الأسبوعي لأدوات الذكاء الاصطناعي تضاعف تقريبا خلال عام واحد، من 18% إلى 34% عبر ست دول، مع تحول البحث عن المعلومات إلى الاستخدام الأساسي. الاستخدام ينمو بسرعة، لكن درجة الفهم لا تواكب تلك السرعة.

 

أرفيند ناريانان وساياش كابور، الباحثان في جامعة برينستون اللذان ظهرا في قائمة تايم لأكثر 100 شخصية مؤثرة في الذكاء الاصطناعي عام 2023، قدما إطارا لفهم هذا الوضع في كتابهما “زيت الثعبان الذكي”. ارتكزت حجّتهما، كما عرضاها في مقتطف نشرته مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي، أن “أمية الذكاء الاصطناعي” مشكلة مجتمعية وليست فردية.

معظم الناس لا يستطيعون التمييز بطلاقة بين أنواع الذكاء الاصطناعي التي تعمل فعلا وتلك التي يمكن تشبيهها بمفهوم “زيت الثعبان”، وهو كناية عن التسويق المخادع، أي تلك التقنية التي تعلن عما لا تستطيع تقديمه فعلا. ويعزو الباحثان هذا التهويل الحالي إلى حوافز النمو المؤسسي وصحافة وإعلام يضعان الإثارة فوق تحري الدقة.

الفجوة بين ما يقدمه الذكاء الاصطناعي وما يعتقد الناس أنه يقدمه ليست فراغا ينتظر أن يُملأ بالمعرفة. لكنه فراغ يستفيد منه كثيرون ماليا، وفهم من يستفيد من هذا الفراغ يبدأ بتتبع سلسلة إمداد التهويل من حلقتها الأولى. في كل صناعة، ثمة مسافة بين ما يُقال علنا وما يحدث فعلا على أرض الواقع. لكن في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، هذه المسافة ليست عرضية، بل يمكن اعتبارها سلسلة إمداد كاملة، كل حلقة فيها تستفيد من تمرير التهويل إلى الحلقة التالية.

الفجوة بين قدرات الذكاء الاصطناعي وتصورات الناس عنها كبيرة (شترستوك)
الفجوة بين قدرات الذكاء الاصطناعي الحقيقة وتصورات الناس عنها هائلة جدا (شترستوك)

سردية التهويل

في العاشر من فبراير/شباط 2026، نشر مات شومر مقالا على منصة إكس بعنوان “شيء كبير يحدث”. تجاوزت مشاهدات المقال أكثر من 80 مليون مشاهدة على المنصة وحدها، وتسبب في ضجة عالمية واسعة. كتب شومر أن الذكاء الاصطناعي التوليدي على وشك أن يُلغي نصف الوظائف المكتبية خلال سنوات قليلة، وأن النماذج الأحدث أصبحت تملك ما يشبه “الحكم” و”الذوق”، وأن أحد النماذج “ساهم في بناء نفسه”. نبرة المقال تتجه نحو التهويل والإثارة والاستعجال، وتستعير لغة الأزمات الصحية، بتشبيه ما يحدث الآن بما حدث قبل انتشار وباء فيروس كورونا، فمن لا يستعد حالا يعرض نفسه للخطر.

وأخبر شومر موقع “بزنس إنسايدر” أنه أمضى ساعات يعمل مع نموذج كلود لصياغة المقال، واعتبر ذلك دليلا إضافيا على قوة الذكاء الاصطناعي. وأكد في مقابلة أخرى أنه قدم استخدامه للذكاء الاصطناعي في كتابة المقال بوصفه برهانا على أطروحته.

لكن ما أغفله المقال لا يقل أهمية عمّا تضمّنه؛ غاري ماركوس، عالم الأعصاب الإدراكي وأستاذ جامعة نيويورك الفخري، لاحظ أن شومر حين استشهد بما يُسمّى “معيار الزمن” الذي أطلقته “إم إي تي آر” (METR)، بوصفه برهانا على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي صارت قادرة على إنجاز مهام أطول فأطول، فثمة تفصيلتان حاسمتان جري تجاهلهما، ويكفيان وحدهما لتغيير معنى هذا الاستنتاج. و”إم إي تي آر” هي مؤسسة بحثية غير ربحية تقيس علميا ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تُشكّل، ومتى تُشكّل، خطرا كارثيا على المجتمع.

“قد يخطئ النموذج في نسبة كبيرة من الحالات، ومع ذلك يُسجل رسميا على أنه نجح وأتم المهمة”

أولا، النجاح في هذا المعيار لا يعني إنجاز المهمة كاملة، بل يُحتسب عند عتبة تبلغ 50% فقط من الصحة. وبمعنى أكثر بساطة، قد يخطئ النموذج في نسبة كبيرة من الحالات، ومع ذلك يُسجل رسميا على أنه نجح وأتم المهمة. وثانيا، يضيّق المعيار زاوية النظر إلى مجال واحد تقريبا وهو البرمجة، وهذا يجعله مؤشرا محدودا عند الحديث عن قدرات الذكاء الاصطناعي في العالم الواقعي، حيث تتنوع المهام وتختلف شروطها ومعايير الحكم عليها، ولا تُقاس كلها بمنطق كتابة الكود فقط.

كما لاحظ ماركوس أن شومر تعمد عدم الإشارة إلى دراسات شهيرة وثقت أخطاء الاستدلال في نماذج الذكاء الاصطناعي المسمّاة “نماذج التفكير” التي وصفها شومر بأنها على وشك تغيير كل شيء. وهذه ليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها شومر التهويل؛ ففي سبتمبر/أيلول 2024، أطلق نموذجا أسماه (Reflection 70B)، متوقعا أنه سيصبح “أفضل نموذج مفتوح المصدر في العالم”. في حين وجد المختبرون المستقلون أن النتائج أقل بكثير مما أُعلن عنه، وأن بعض الاستجابات تشير إلى أن النموذج مجرد غلاف رقيق يعيد توجيه الطلبات إلى نموذج كلود “سونيت 3.5” من شركة أنثروبيك.

تضخيم الإعلام

شومر اعتذر لاحقا قائلا إنه “استبق الأمور”، وأكد موقع بزنس إنسايدر أن تاريخه السابق عاد إلى الواجهة مجددا في سياق انتشار هذا المقال الذي أثار ضجة واسعة.

الفكرة أن شومر ليس مراقبا محايدا؛ هو المدير التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة “أذر سايد إيه آي”، التي تقف وراء أداة للكتابة بالذكاء الاصطناعي تدعى “هايبر رايت”، وهو أيضا شريك أساسي في صندوق “شومر كابيتال” الذي يستثمر في الصناعة. إذن، نحن أمام صانع منتجات ذكاء اصطناعي، ومستثمر في بنيتها التحتية، في آن واحد.

بالطبع، ربما يكون شومر صادقا في قلقه، فمواقعه المالية لا تنفي بالضرورة صحة بعض ما يقوله. لكنّ القصة هنا ليست عن نوايا فرد واحد، بل هي مثال واضح على سلسلة إمداد التهويل، شخص يملك حوافز مالية مباشرة لتبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي يكتب مقالا يُقنع الملايين بضرورة التبنّي العاجل، دون الإفصاح عن تلك الحوافز، دون الإشارة إلى الأدلة الواقعية المعاكسة لطرحه والمتوفرة في كل مكان. هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة إمداد التهويل.

“ما يقارب 60% من المقالات حول الذكاء الاصطناعي ركّزت على منتجات الصناعة وإعلاناتها الجديدة، وأغلب المصادر المستشهد بها جاءت من داخل الصناعة نفسها”

لكنّ مقالا منتشرا على منصة إكس لا يصبح حقيقة مقبولة بمفرده، وقد يحتاج إلى وسيط يُكسبه مصداقية مؤسسية. مجلة فورتشن أعادت نشر نسخة معدّلة من مقال شومر بوصفها “مقال رأي”، مما حوّل ادعاءات لم تُدقَّق من رأي فردي على وسائل التواصل إلى محتوى يحمل شعار مؤسسة إعلامية مرموقة.

هذا النمط ليس استثنائيا؛ دراسة أجراها معهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد، حول التغطية الإعلامية البريطانية للذكاء الاصطناعي، وجدت أن ما يقارب 60% من المقالات ركّزت على منتجات الصناعة وإعلاناتها الجديدة، وأن أغلب المصادر المستشهد بها جاءت من داخل الصناعة نفسها. التغطية الإعلامية تُضخّم ادعاءات ذاتية المصلحة عن قيمة الذكاء الاصطناعي وإمكاناته، وتضعه في المقام الأول بوصفه شأنا تجاريا خاصا.

بنية الحوافز الإعلامية تدفع في الاتجاه ذاته: مقالات “الذكاء الاصطناعي سيغير كل شيء” تجذب قراءات أكثر من مقالات “لم يتغير الكثير بعد”. والنتيجة أن ادعاءات لم تُدقَّق في الأصل تكتسب طبقات متتالية من المصداقية المؤسسية.

وظيفتك في خطر

تعمل سلسلة التهويل في اتجاهين، تجاه المستهلكين والمستثمرين برسالة: “الذكاء الاصطناعي منتج سحري، اشترك الآن”. وتجاه الموظفين وسوق العمل برسالة: “الذكاء الاصطناعي يحل محلك، وظيفتك في خطر”. الغموض ذاته يخدم كلا الغرضين.

بيانات شركة “تشالنجر وغراي آند كريسماس” المتخصصة في تتبع سوق العمل الأمريكي، تُظهر أن الذكاء الاصطناعي ذكر في أكثر من 55 ألف خطة تسريح معلنة في عام 2025، ومنذ عام 2023 ورد في أكثر من 71 ألف إعلان تسريح للموظفين. يناير/كانون الثاني الماضي وحده شهد أكثر من 108 آلاف إعلان تسريح، وهو أعلى رقم لشهر يناير منذ عام 2009، مع وصول التوظيف إلى أدنى مستوياته منذ بدء التتبّع. لكنّ السؤال الآن: هل هذه التسريحات ناتجة فعلا عن تطور قدرات الذكاء الاصطناعي؟

“الذكاء الاصطناعي ذُكر في أكثر من 55 ألف خطة تسريح معلنة في عام 2025، ومنذ عام 2023 ورد في أكثر من 71 ألف إعلان تسريح للموظفين”

تقرير شركة “فوريستر” الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي، خلص إلى أن “كثيرا من الشركات التي تعلن تسريحات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تملك تطبيقات ذكاء اصطناعي ناضجة ومُختبرة لملء تلك الأدوار. وهذا النمط يُعرف بمصطلح “تبييض الذكاء الاصطناعي”، أي نسبة تخفيضات العمالة بسبب نقص الأموال إلى نية استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستقبلا.

ذُكر الذكاء الاصطناعي في أكثر من 55 ألف خطة تسريح معلنة في عام 2025 (شترستوك)

جيه بي غاوندر، نائب رئيس “فوريستر” وصف الوضع بوضوح قائلا: “كثير من الشركات ترتكب خطأ كبيرا لأن رئيسها التنفيذي، الذي لا يفهم تفاصيل الذكاء الاصطناعي حقا، يقول لنسرح 20 إلى 30% من موظفينا ونستبدلهم بالذكاء الاصطناعي”.

وتوقعت الشركة أن “أكثر من نصف التسريحات المنسوبة إلى الذكاء الاصطناعي ستُعكس بهدوء حين تدرك الشركات التحديات التشغيلية لاستبدال العنصر البشري قبل الأوان”. وتوقعت شركة “غارتنر” للأبحاث والاستشارات من جهتها أنه بحلول عام 2027، ستعيد 50% من الشركات التي سرّحت موظفي خدمة العملاء، بذريعة الذكاء الاصطناعي، توظيف أشخاص لوظائف مشابهة.

ثمة بُعد سياسي أيضا؛ مارثا غيمبل، المديرة التنفيذية لمختبر الموازنة في جامعة ييل، قالت لصحيفة الغارديان إن هناك “ترددا حقيقيا لدى بعض الشركات الأمريكية في ذكر أي سلبيات عن التأثيرات الاقتصادية لإدارة ترامب، لأنها تشعر بأن هناك عواقب. وبالقول إن التسريحات ناتجة عن إنجازات جديدة حققها الذكاء الاصطناعي، تتجنب تلك التبعات المحتملة”. هنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى كبش فداء آمن سياسيا.

“من خلال القول إن التسريحات ناتجة عن إنجازات جديدة حققها الذكاء الاصطناعي، تتجنب الشركات التبعات السياسية لقراراتها”

ما يربط مختلف الحلقات في هذه السلسلة ليس تنسيقًا مركزيًا، فلا يجلس أحد في غرفة واحدة مظلمة ليُقرر أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبدو أضخم مما هو عليه فعلًا. الأمر أبسط وأصعب في معالجته من ذلك، فعند كل حلقة، يُكافأ التهويل ولا يجد رادعًا مناسبًا. والوضوح، أي التصريح بأن هذه التقنية تفعل بعض الأشياء جيدًا وأشياء أخرى لا تفعلها على الإطلاق، لا يخدم مصلحة أحد في سلسلة إمداد التهويل. هذا الأمر لا يتطلب سوء نية بقدر ما يتطلب فقط غياب حافز لمراعاة الدقة والوضوح.

لكن تلك السلسلة لا تعمل في الفراغ، فهي تحتاج إلى وقود. والوقود، كما تكشف الأرقام المالية للشركات التي تقود هذه الصناعة، هو مبالغ مالية طائلة غير مسبوقة تُنفق دون عائد واضح على المدى القريب.

A currency trader talks on the phone near a screen showing the Korea Composite Stock Price Index (KOSPI) and the foreign exchange rate between U.S. dollar and South Korean won, left, at the foreign exchange dealing room of the Hana Bank headquarters in Seoul, South Korea, Wednesday, May 20, 2026. (AP Photo/Ahn Young-joon)
كلما ازدادت الخسائر، ازدادت الحاجة إلى التهويل (أسوشيتد برس)

صناعة مشتعلة

كلما ازدادت الخسائر، ازدادت الحاجة إلى التهويل؛ صناعة الذكاء الاصطناعي لا تبالغ رغم أنها تخسر، بل تبالغ لأنها تخسر. الحالة الأكثر وضوحا هي شركة أوبن إيه آي، الشركة التي يعرفها الجمهور أكثر من أي شركة أخرى في هذا القطاع. تُظهر وثائق داخلية، حصل عليها موقع “ذا إنفورميشن” أن الشركة تتوقع خسائر بقيمة 14 مليار دولار في عام 2026 وحده، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف تقديرات عام 2025. الخسائر التراكمية المتوقعة تصل إلى 115 مليار دولار حتى عام 2029، وهو التاريخ الذي تتوقع فيه الشركة أن تبدأ بتحقيق أرباح.

وبينما تتراكم تلك الخسائر، تتآكل حصة الشركة في السوق؛ بيانات شركة سيميلار ويب تُظهر أن حصة شات جي بي تي من الزيارات انخفضت من 86% في يناير/كانون الثاني 2025 إلى 64% في يناير/كانون الثاني 2026، أي انخفاض بأكثر من 22 نقطة مئوية خلال عام واحد، مع استحواذ جيميناي من غوغل على الجزء الأكبر من هذا التراجع (كان هذا قبل الطفرة الكبيرة التي حققها نموذج كلود من أنثروبيك في الأسابيع الأخيرة).

“شركة أوبن إيه آي تتوقع خسائر بقيمة 14 مليار دولار في عام 2026 وحده، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف تقديرات عام 2025”

لكن من أين تأتي الأموال التي تحاول تعويض تلك الخسائر؟ الإجابة تكشف لنا حلقة رؤوس أموال دائرية مفرغة؛ شركة إنفيديا التزمت بضخ ما يصل إلى 100 مليار دولار في أوبن إيه آي، وجزء كبير من هذا المال يعود إلى إنفيديا نفسها على شكل مشتريات معالجات رسومية. وإنفيديا في الوقت ذاته مستثمر بارز في شركة “كورويف” التي توفر سعة الحوسبة السباحية لشركة أوبن إيه آي. والآن، تسعى أوبن إيه آي للحصول على 100 مليار دولار إضافية من مايكروسوفت وإنفيديا وأمازون.

وأمازون.

شركة إنفيديا التزمت بضخ ما يصل إلى 100 مليار دولار في أوبن إيه آي (شترستوك)

المال يدور في حلقة مفرغة: المستثمر يمول الشركة التي تشتري منتجاته، والتي تمول شركة ثالثة تشتري منتجات المستثمر الأول. كل طرف يبدو رابحا في تقاريره الفردية، لكنّ السؤال عن مصدر القيمة الفعلية يظل معلقا.

هذا النمط لا يقتصر على أوبن إيه آي؛ إذ إن الشركات الأربع الكبرى في البنية التحتية السحابية، ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت، أعلنت عن إنفاق رأسمالي مجمّع يقترب من 650 مليار دولار في عام 2026، في سعيها للسيطرة على سوق أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما وصفته صحيفة بلومبرغ بأنه “لا مثيل له في هذا القرن”.

السؤال الذي تتجنبه هذه الأرقام هو: ما القيمة الحقيقية التي تعود من هذا الإنفاق الهائل؟ ربما لا تتضح قيمة الذكاء الاصطناعي على مدى السنوات القليلة القادمة، وسنحتاج إلى انتظار فترة أطول حتى تنضج تلك الصناعة. لكن هذا لا يغير الحقيقة الراهنة، القائلة إن الفجوة بين حجم الإنفاق وحجم العائد واسعة للغاية، والخطاب العام الموجه للجمهور لا يعترف بهذا الجدول الزمني الطويل، بل يقدم التحول بوصفه حاصلا الآن وفورا.

المفارقة أن بعض أبرز الأصوات داخل الصناعة تعترف بوجود مشكلة حقيقية. سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي، قال في عام 2025 إنه يعتقد أن هناك فقاعة ذكاء اصطناعي جارية فعلا. راي داليو، الرئيس المشارك للاستثمار في “بريدجووتر أسوشيتس”، وصف مستويات الاستثمار الحالية بأنها “مشابهة جدا لفقاعة الإنترنت (فقاعة الدوت كوم)”.

سام ألتمان صرّح في عام 2025 باعتقاده أن هناك فقاعة ذكاء اصطناعي جارية فعلا (الفرنسية)

أما جيمي دايمون، رئيس مصرف جي بي مورغان، فقال إنه يعتقد أن “الذكاء الاصطناعي حقيقي” لكنّ بعض الأموال المستثمرة ستُهدر، محذرا من أن انهيارا في أسهم الذكاء الاصطناعي قد يعني خسارة كثير من الأموال المستثمرة. هؤلاء ليسوا منتقدين من الخارج، بل إنهم يديرون أو يمولون الشركات ذاتها، واعترافهم بوجود فقاعة لا يمنعهم من الاستمرار في الإنفاق؛ لأن كل طرف يراهن على أنه سيكون من بين القلة التي تنجو. المنطق هو نفسه الذي حكم فقاعة الإنترنت: الجميع يعرف أن ثمة مبالغة، لكنّ تكلفة التوقف أعلى من تكلفة الاستمرار، طالما أن الآخرين مستمرون.

“المنطق السائد الآن هو نفسه الذي حكم فقاعة الإنترنت: الجميع يعرف أن هناك مبالغة، لكنّ تكلفة التوقف أعلى من تكلفة الاستمرار”

هذا الضغط المالي لا يبقى في الميزانيات، بل يتسرّب إلى بنية الشركات نفسها، ويطال تحديدًا الأشخاص الذين تكمن وظيفتهم في الحفاظ على “الأمانة” بشأن قدرات هذه التقنية وحدودها.

سلسلة استقالات

في الأسبوع الثاني من فبراير/شباط 2026، غادر أربعة مسؤولين كبار على الأقل من ثلاث شركات رئيسية في غضون أيام قليلة. مرينانك شارما، رئيس فريق أبحاث الحماية في شركة أنثروبيك، استقال في التاسع من فبراير/شباط. وكتب، في رسالة علنية، أن “العالم في خطر”، وأنه “طوال فترة عمله، شهد مرارا مدى صعوبة أن تحكم القيم فعلا قرارات الشركة”. وأشار إلى أن الموظفين “يواجهون باستمرار ضغوطا لتنحية ما هو أكثر أهمية جانبا”.

بعد يومين، استقالت زوي هيتزيغ، الباحثة في أوبن إيه آي، وأعلنت أسبابها عبر مقال رأي في صحيفة نيويورك تايمز. ذكرت أن لديها “تحفظات عميقة” على إستراتيجية أوبن إيه آي الإعلانية، وكتبت: “المستخدمون يتفاعلون مع صوت يتكلم وكشفوا له عن أعمق أفكارهم الخاصة… بناء إعلانات على هذا الأرشيف يخلق إمكانية للتلاعب بالمستخدمين بطرق لا نملك أدوات لفهمها، فضلا عن منعها”.

زوي هيتزيغ: أوبن إيه آي توقفت عن طرح الأسئلة التي انضممت للإجابة عليها (موقع العالمة الشخصي)

في الأسبوع نفسه، غادر مؤسسان مشاركان في شركة إيلون ماسك “إكس إيه آي” خلال 24 ساعة. وصفت شبكة “سي إن إن” ذلك بأنه نمط مرصود، حيث “الأشخاص الأساسيون المكلفون بالحفاظ على أمان الذكاء الاصطناعي يغادرون بسبب مخاوف أخلاقية، بينما أرباب عملهم يتسابقون في تسريع تطوير المنتجات”.

ثمة فارق دقيق يجب الانتباه إليه هنا، باحثو السلامة هؤلاء يحذرون من مخاطر حقيقية لقدرات الذكاء الاصطناعي في مجالات محددة، كالتلاعب بالمستخدمين عبر الإعلانات أو المخاطر البيولوجية. لكن المشكلة أن القدرات المُعلن عنها للجمهور مبالغ فيها، وتتجه غالبا لسيناريوهات الخيال العلمي. أدوات الذكاء الاصطناعي قد تكون خطيرة فعلا في نطاقات ضيقة، وفي الوقت نفسه مبالغا في وعودها في نطاقات واسعة.

“اللحظة التي يتوقف فيها التهويل، يتوقف التمويل. ولحظة توقف التمويل، تنكشف الفجوة بين الوعد والواقع، وقد تنفجر الفقاعة في وجه الجميع”

لكنّ ما يربط الأمرين هو ضغط واحد: أولوية التطوير والنمو فوق كل اعتبار آخر. حين يقول شارما إن الموظفين يواجهون “ضغوطا لتنحية ما هو أكثر أهمية”، فهو يصف بنية الحوافز ذاتها التي تنتج التهويل الخارجي، الفارق أن هؤلاء يرونها من الداخل.

صناعة الذكاء الاصطناعي تنفق أموالا أكثر مما تجني بمراحل، وتحتاج إلى أن يظل الجمهور والمستثمرون وصنّاع القرار مقتنعين بأن العائد قادم. اللحظة التي يتوقف فيها التهويل، يتوقف التمويل. ولحظة توقف التمويل، تنكشف الفجوة بين الوعد والواقع، وقد تنفجر الفقاعة في وجه الجميع.

هذا لا يعني أن أدوات الذكاء الاصطناعي بلا قيمة حقيقية؛ بعض التقنيات تحتاج سنوات لتثبت عائدها. لكنّ الخطاب الموجه للجمهور لا يقول “انتظروا عشر سنوات”، بل يؤكد أن “الثورة تحدث الآن”. وهذه الفجوة بين الجدول الزمني الحقيقي والمُعلن هي بالتحديد ما يُبقي سلسلة التهويل مستمرة.

تهديد السلسلة

هنا يمكن أن نسأل: إذا كان التهويل لا يمكن أن يتوقف من الداخل، فما الذي يمكن أن يكسر تلك السلسلة من الخارج؟ القوة الوحيدة القادرة على كسر سلسلة التهويل من الخارج هي وعي عام نقدي يمكن الناس من التمييز بين ما يفعله الذكاء الاصطناعي وما يُقال إنه يفعله. هذا ما يُعرف بالوعي النقدي بالذكاء الاصطناعي، وهو يختلف جوهريا عن تدريب القوى العاملة على استخدام أدواته.

الفرق بسيط في الصياغة، لكنه حاسم في الأثر. تدريب القوى العاملة يعلم الموظف كيف يستخدم شات جي بي تي أو كلود لإنجاز مهامه بكفاءة أكبر. هذا يخدم الصناعة مباشرة، لأنه يوسع قاعدة المستخدمين ويعزز الطلب على المنتجات. أما الوعي النقدي فيعلم الشخص كيف يُقيّم ادعاءً عن أدوات الذكاء الاصطناعي: هل هذا المنتج يفعل فعلا ما يقول إنه يفعله؟ ما الفرق بين نموذج لغوي يولد نصا مقنعا ونموذج يفهم ما يقوله؟ من يستفيد ماليا من هذا الادعاء؟

هذا النوع من الوعي لا يخدم الصناعة بشكلها الحالي، بل قد يهدد نموذج أعمالها، لأن محاولات إزالة الغموض عن التقنية قد تقلل من جاذبيتها.

“القوة الوحيدة القادرة على كسر سلسلة التهويل من الخارج هي وعي عام نقدي يمكّن الناس من التمييز بين ما يفعله الذكاء الاصطناعي وما يُقال إنه يفعله”

حين أطلق شليخت منصة “مولتبوك” وكتب أن “نوعا جديدا من الذكاء يظهر الآن”، لم يكن يكشف شيئا عن الآلات، بقدر ما كشف لنا شيئا عن البشر الذين صدقوه. مليون زائر في أسبوع واحد، أتوا ليراقبوا أنماطا لغوية مستخرجة من بيانات تدريب تحاكي منشورات بشرية، واعتقد كثير منهم أنهم يشهدون وعيا للآلة.

ما يخسره الجمهور في هذه المعادلة ملموس؛ كل قرار يتخذ تحت تأثير تصور مشوه، سواء كان قرار توظيف، أو استثمار، أو سياسة عامة، أو خيارا مهنيا فرديا، قرار مبني على معلومات أنتجتها بنية حوافز لا تكترث بالدقة أو بالمعلومات الحقيقية.

حين يقبل موظف تسريحه لأنه يعتقد أن الذكاء الاصطناعي يستطيع فعلا أداء وظيفته، فهو يدفع ثمنا شخصيا لفجوة معرفية أنتجها آخرون. وحين يُقرّ صانع قرار سياسة تقنية بناءً على تغطية إعلامية تستمد مصادرها من الصناعة نفسها، فهو يصوغ سياسة عامة بأدوات مصممة لخدمة مصالح خاصة.

الذكاء الاصطناعي تقنية حقيقية ومفيدة في مضاعفة الإنتاجية؛ بعض تطبيقاتها تعمل الآن، وبعضها قد يعمل بعد سنوات، والأهم أن بعضها ربما لن يعمل أبدا بالشكل الذي يُروّج له اليوم بسبب كل هذا التهويل. التمييز بين هذه الفئات ليس ترفا أكاديميا، بل شرطا أساسيا لكل قرار سليم يتعلق بهذه التقنية. وهذا التمييز بالتحديد هو ما لا تموّله سلسلة إمداد التهويل، لأنه الشيء الوحيد الذي يهدد استمرارها.

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الجزيرة
x

‎قد يُعجبك أيضاً

«ميتا» تتيح مشاهدة قصص إنستغرام دون إظهار هوية المستخدم

أعلنت شركة «ميتا» عن ميزة جديدة ضمن خدمات الاشتراك المدفوع على منصتي إنستغرام وفيسبوك، تتيح للمستخدمين مشاهدة القصص (Stories) دون أن يظهروا ضمن قائمة المشاهدين، ...