في وقت سابق من الشهر الحالي (يوليو/ تموز 2026)، أعلن عمر ياغي، عالم الكيمياء الأردني السعودي الأمريكي، أنه ترك منصبه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بعد نحو 14 عاما، لينضم أستاذا لكرسي بدوام كامل في جامعة تسينغهوا في العاصمة الصينية بكين، التي أقامت بالفعل مراسم تعيين احتفت بياغي، بحضور رئيس الجامعة وعدد من أبرز العلماء الصينيين.
كان ياغي قد تقاسم جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2025 مع الياباني سوسومو كيتاغاوا والأسترالي البريطاني ريتشارد روبسون، عن تطويرهم لما يسمى “الأطر الفلزية العضوية”، وهي مواد بلورية شديدة المسامية يمكن توظيفها في التقاط ثاني أكسيد الكربون، وتخزين الغازات، واستخراج المياه من هواء المناطق الصحراوية وتحفيز التفاعلات الكيميائية. باختصار، تمكن هذا الفريق من ابتكار كيمياء جديدة تماما.
الآن، سيقود ياغي معهدا جامعيا جديدا يحمل اسم “معهد أبحاث الذكاء الاصطناعي والكيمياء والمواد”، ويهدف إلى الجمع بين الذكاء الاصطناعي والكيمياء وعلوم المواد، من أجل تصميم مركبات ومواد جديدة والتنبؤ بخصائصها قبل تصنيعها، بدلا من الاعتماد على التجربة والخطأ، وهي الطريقة التي كانت أساسية لعقود. وتطمح الجامعة إلى تقليص الزمن اللازم لتطوير المواد الجديدة، عبر منظومة مترابطة تمتد عبر الحسابات النظرية، ونماذج المحاكاة والتجارب والإنتاج الفعلي.
“الفرصة العلمية التي عرضتها الجامعة الصينية كانت عاملا رئيسيا في قرار ياغي”
لم يعلن ياغي عن السبب الصريح الذي دفعه إلى ترك بيركلي، لكن تصريحاته والمهام التي أسندتها إليه تسينغهوا تشير إلى أن الفرصة العلمية الواسعة التي عرضتها الجامعة الصينية كانت عاملا رئيسيا، فهو لن ينضم إلى مختبر قائم، بل سيؤسس مركزا متعدد التخصصات، يجمع أقسام الكيمياء والهندسة الكيميائية وعلم المواد وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي تحت قيادة بحثية واحدة
لكن الخطوة تأتي أيضا في سياق أوسع، يتضمن بيئة مضطربة يعيشها فضاء البحث العلمي في الولايات المتحدة، فقد ربطت مجلة “نيتشر” انتقاله بالتخفيضات التي طالت تمويل العلوم الأمريكية، بالتزامن مع حملة صينية نشطة لاستقطاب المواهب العلمية الدولية. وكان ياغي قد قال في مقابلة سابقة مع مجلة “ساينتفك أميركان” إن أوضاع البحث في الولايات المتحدة أصبحت “غير مشجعة” بسبب تراجع المنح والدعم الذي يعتمد عليه الباحثون في الجامعات.
وأكد ياغي حينها أن العلماء بحاجة إلى الانخراط في ثورة الذكاء الاصطناعي، واستخدام نماذجه ليس فقط لتسريع العمل المخبري، بل لاقتراح أسئلة جديدة للبحث حولها، معتبرا أن ذلك “أصبح مسألة حياة أو موت للنظام البحثي المتقدم في الولايات المتحدة”، كما عبر عن قلقه من أن واشنطن لا تستعد بما يكفي لما وصفها بثورة الذكاء الاصطناعي، وانتقد بطء العمل داخل المختبرات مقارنة بسرعة التطور في المجتمع.
بالطبع، يمثل انتقال ياغي مكسبا علميا ورمزيا كبيرا للصين، إذ لم تعد تكتفي بإعادة علمائها العاملين في الخارج، بل أصبحت قادرة على جذب علماء دوليين بارزين بنوا مسيرتهم بالكامل تقريبا داخل الجامعات الأمريكية. لكن الوصول إلى هذه المرحلة، التي ربما يعد انتقال ياغي لحظة مفصلية فيها، يحتاج منا أن نبدأ بفهم الأمر من البداية: كيف صعدت الصين؟ ولم تباطأت أمريكا؟ ومن سيكون “ملك العلوم” القادم؟

الإجابة التي لم تعد مملة
منذ منتصف القرن الماضي تقريبا، كان السؤال عن متصدر العالم في مجالات العلوم سؤالا ذا إجابة مملة، إنها ببساطة ودائما “الولايات المتحدة”، وبفارق شاسع عن أقرب منافسيها، إنها الدولة التي صنعت القنبلة الذرية، وفككت شفرة الجينوم، وهبطت على سطح القمر، واخترعت الترانزستور والإنترنت ولقاح الحمض النووي، نحن أمام دولة تعاملت مع التفوق العلمي وكأنه حق مكتسب، لكن، في وقت ما خلال السنوات القليلة الماضية، لم تعد الإجابة مملة كما كانت سابقا، باتت أكثر اهتزازا، وصارت تسبقها كلمات مثل “حسنا، الأمر معقد”، أو “يمكن القول” أو “دعنا أولا نتحدث عن الحقائق”. نعم، الأمر كما لاحظت، فخلف كل ارتباك في التصريحات، يظهر تراجع كبير.
في صيف عام 2025، نشرت مجلة “نيتشر” المرموقة تصنيفها السنوي لأكثر دول العالم إنتاجية في مجال البحث العلمي، وقال التقرير إن الفجوة بين الصين والولايات المتحدة في مجال العلوم عالية الجودة باتت شاسعة لصالح الصينيين، بل وتضاعفت أكثر من أربع مرات خلال عام واحد فقط، وصرحت جوان كارني، كبيرة مسؤولي العلاقات الحكومية في الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، للمجلة قائلة إن الصين عززت ريادتها في البحث والابتكار، ولن تتخلى عن تلك الريادة قريبا.
“لم يتراجع العلم الأمريكي بهدوء لكنه انكسر مثل جدار أو شجرة قائمة”
كان من المستبعد تماما حدوث هذا قبل عقد من الزمن أو أكثر قليلا، لكن حدوثه فجأة هو القصة الحقيقية التي نريد أن نحكيها، حيث لم يتراجع العلم الأمريكي ببساطة كما تتلاشى الإمبراطوريات القديمة، أي ببطء وهدوء عبر الأجيال، بل انكسر مثل جدار أو شجرة قائمة، نعم كانت الشقوق تتسع بهدوء في أسسه لسنوات، نتيجة لحوافز خاطئة، وتدهور نظام التعليم، وابتعاد المواطنين عن المجال العلمي، ثم في عام 2025، ومثل القشة التي قسمت ظهر البعير، جاءت ضربة سياسية قاسية
حسنا، لنبدأ بالأرقام، لأنها دائما ما تمثل جرس الإنذار الأول، أكثر الأدلة استشهادا تأتي من مؤشر نيتشر نفسه، الذي يرصد المساهمات في 145 من أكثر المجلات العلمية انتقائية في العالم، والمتخصصة في العلوم الطبيعية والصحية، مثل “نيتشر” نفسها و”ساينس” و”سيل” و”فيزكال ريفيو ليترز” وغيرها، هذه ليست مجلات تنشر فيها الأبحاث لمجرد أنها كتبت وروجعت من قبل متخصصين، بل يجب أن يقدم البحث شيئا جوهريا جديدا لهذا النطاق العلمي الذي تتخصص فيه المجلة، لذلك تتجاوز نسبة الرفض في هذه المجلات 90%.
لعقود طويلة، كان هذا المؤشر آخر معاقل الهيمنة الأمريكية الواضحة، لكن هذا المعقل سقط، كما وثقت كارولين فاغنر، الأستاذة في جامعة ولاية أوهايو، في تقرير بحثي نشره معهد كوينسي للحكم الرشيد، فقد تفوقت الصين في عام 2024 على الولايات المتحدة حتى ضمن هذه الفئة النخبوية، حيث ساهمت بحوالي 37 ألف مقالة مقابل 32 ألف مقالة أمريكية، أي بزيادة قدرها 17%، وكانت الصين قد تصدرت بالفعل مؤشر نيتشر الأوسع نطاقا منذ عام 2023، وهي المرة الأولى التي تتفوق فيها دولة على الولايات المتحدة منذ إطلاق المؤشر عام 2014.
“تتصدر الصين مؤشر نيتشر، وهو آخر معاقل الهيمنة الأمريكية في مجال النشر العلمي”
قبل ما حدث كانت هناك قصة يتداولها الإعلام الأمريكي مفادها أن التفوق الصيني في عدد الأبحاث المنشورة ليس مشكلة، فهناك الكثير، والكثير جدا من المجلات التي تسهّل النشر، لأن معاييرها ليست قوية كفاية أو لأنها تتقاضى مبلغا طائلا وقد تغض النظر عن الجودة قليلا، لكن الصين ضربت تلك القصة في مقتل، بعد أن تصدرت في الأبحاث ذات القيمة العالية، بل وبلغت الصين تقريبا مستوى الولايات المتحدة في نسبة الأبحاث المصنفة ضمن أفضل 1% من الأبحاث الأكثر استشهادا في العالم، إنها تلك الأبحاث التي يستخدمها باحثون آخرون في أعمالهم (يستشهدون بها) بسبب قوتها ودقتها، ومن ثم فهي ما يحدد معايير التميز العلمي، إنها كذلك الأبحاث التي تحصل عادة على جوائز نوبل.
مثلا، في تصنيف ليدن لعام 2025، الذي أعده مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا بجامعة ليدن الهولندية، احتلت الجامعات الصينية ثمانية من المراكز العشرة الأولى في الإنتاج البحثي، وتصدرت جامعة تشجيانغ القائمة، بينما تراجعت جامعة هارفارد الأمريكية إلى المركز الرابع. أهمية تصنيف ليدن أنه لا يعتمد على السمعة الأكاديمية أو استطلاعات الرأي، ولا يخلط التدريس والبحث العلمي والتوظيف في فئة واحدة، بل يقيس الأداء البحثي مباشرة من خلال الأبحاث والاستشهادات والتعاون العلمي، اعتمادا على بيانات دقيقة، لذلك فهو مفيد لرصد التحولات الفعلية في خريطة إنتاج المعرفة عالميا.
أضف لذلك نقطة لا تقل دلالة، وهي أن الجامعات الأمريكية لم تنهر، حيث إن جامعات ميشيغان، وجونز هوبكنز، وبنسلفانيا، وستانفورد وغيرها، تنتج جميعها أبحاثا أكثر مما كانت تنتجه قبل عقدين من الزمن، ومن ثم لم تنتصر الصين عن طريق استغلال الضعف الأمريكي، ولكنها سبقتها، وكأن أمريكا هي السلحفاة، والصين أصبحت الأرنب.
“الصين توظف من الباحثين أكثر مما توظفه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين”
تؤكد الأرقام هذا التفوق، ففي مارس/آذار 2026، قالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن إجمالي الإنفاق المحلي الصيني على البحث والتطوير، حينما يقاس بتعادل القوة الشرائية، تجاوز نظيره الأمريكي لأول مرة، وهو ما يبرز حقيقة أن “المسار” أهم من “اللقطة”. فقد رفعت الصين إنفاقها على البحث العلمي بنسبة تقارب 10% سنويا على مدى عقد من الزمان، وهو ما يفوق المعدل الأمريكي بضعفين إلى ثلاثة أضعاف تقريبا.
والواقع أن الصين حاليا توظف عددا من الباحثين يفوق ما توظفه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين، وتخرج جامعاتها ما يقارب 77 ألف حاصل على درجة الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات سنويا، مقابل 40 ألفا في الولايات المتحدة (لاحظ بالطبع أن الصين تعتمد على مخزونها الكبير من السكان).
أما المجال الوحيد الذي لا تزال الولايات المتحدة تتفوق فيه بوضوح فهو البحث العلمي الأساسي القائم على الفضول العلمي، حيث تنفق الولايات المتحدة حوالي 0.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على العلوم الأساسية، مقارنة بـ 0.19% في الصين، يوضح ذلك أن منظومة الصين البحثية تركز بالأساس على العمل التطبيقي والتطويري، وتحويل الاكتشافات إلى منتجات وتطبيقات عملية.

تاريخ قصير لمنظومة على شفا الانهيار
لكن الأمر لا يقف فقط عند قدرة الصين المتزايدة على إنتاج البحوث العلمية المتقدمة، بل هناك ما هو أعمق، ولنعد إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1944، قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية، حينما راسل الرئيس الأمريكي وقتها فرانكلين روزفلت مستشاره العلمي وأحد العقول الرئيسية خلف مشروع منهاتن، المهندس فانيفار بوش، وسأله عن كيفية نقل طاقات العلوم التي جندت في زمن الحرب، من الرادار إلى الصمامات التقاربية، وبالطبع القنبلة النووية، إلى زمن السلم بما يعود بالنفع على البلاد.
أصبح جواب بوش، الذي نشر في يوليو/تموز 1945 في تقرير بعنوان “العلم: الحدود اللانهائية”، بمثابة المخطط الأساسي لكل ما تلاه، حيث طالب الرجل أن تخصص الحكومة الفيدرالية أموالا طائلة للبحوث الأساسية التي تجرى في جامعات مستقلة، على أن يقرر العلماء لا السياسيون موضوعات الدراسة، وحذر من أن أي أمة تعتمد على غيرها في اكتساب المعارف الأساسية الجديدة ستتخلف صناعيا وحتى تجاريا. أدى هذا التقرير، مع توصيات أخرى، إلى إنشاء المؤسسة الوطنية للعلوم عام 1950، ومعها توسع نموذج الجامعات البحثية الحديثة، وارتفع التمويل الفيدرالي للعلوم بأكثر من عشرة أضعاف بين أربعينيات وستينيات القرن العشرين.
في سياق هذا الاتفاق، منح العلماء الاستقرار والاستقلالية وحرية واسعة، انطلاقا من مبدأ أنه لا يمكن التنبؤ حتما بالاكتشافات العلمية، واليقين بأن الكشوف العلمية قد تبدو للوهلة الأولى نظرية تماما، ثم تظهر تطبيقاتها الجمة، وأرباحها الغزيرة، وقد صمم هذا النظام ليكون معزولا قدر الإمكان عن تقلبات السياسة الانتخابية.
“استقطبت الولايات المتحدة على مدى عقود باحثين ومهندسين من مختلف أنحاء العالم، ثم نجحت في الاحتفاظ بنسبة كبيرة منهم”
كان هناك ركن ثان يدعم هذا النظام، وهو قدرته على اجتذاب المواهب العالمية، حيث استقطبت الولايات المتحدة على مدى عقود باحثين ومهندسين من مختلف أنحاء العالم، ثم نجحت في الاحتفاظ بنسبة كبيرة منهم. ووفق أحدث بيانات المجلس الوطني للعلوم، ضمت القوى العاملة الأمريكية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات نحو 37 مليون عامل عام 2024، بينما شكل المولودون في الخارج نحو 22% من هذه القوة وفق بيانات 2023. وكان حضور ذوي الأصول الأجنبية أكبر بكثير في قمة الهرم العلمي، في صفوف العلماء والمهندسين والحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه.
ولم تكن الولايات المتحدة محطة تعليمية عابرة لمعظم هؤلاء، فمن بين الأجانب الحاصلين على دكتوراه في العلوم والهندسة من الجامعات الأمريكية بتأشيرات مؤقتة بين عامي 2017 و2019، ظل نحو 73% مقيمين في البلاد حتى عام 2023، بعد قرابة خمس سنوات من التخرج.
وقد تضررت هاتان الركيزتان الأساسيتان في الوقت نفسه تقريبا. بدأت المرحلة الحادة من التصدع في أوائل عام 2025، وهي الجزء الذي تصدر عناوين الأخبار، ففي غضون أسابيع من تولي الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترمب مهامها، قامت الوكالات العلمية الفيدرالية بخطوة لم يسبق لها مثيل، حيث بدأت بإنهاء منح الأبحاث التي أعطيت بالفعل والتي كانت تمول أعمالا بحثية جارية.
“المعاهد الوطنية للصحة خفضت 1.81 مليار دولار من المنح في أقل من أربعين يوما”
وبحسب إحصاءات مجلة “نيتشر”، جمدت أو ألغت المعاهد الوطنية للصحة، أكبر ممول للأبحاث الطبية الحيوية في العالم، 5843 منحة، بينما ألغت المؤسسة الوطنية للعلوم 1996 منحة، وكان أكثر من 800 مشروع من المشاريع الملغاة متعلقا بالأمراض المعدية، وكشف تحليل منفصل نشر في مجلة “جاما” الطبية الشهيرة أن المعاهد الوطنية للصحة خفضت 1.81 مليار دولار من المنح في أقل من أربعين يوما.
ثم جاءت مقترحات الميزانية، التي بدت أقرب إلى لوائح اتهام منها إلى خطط إنفاق. خفض اقتراح البيت الأبيض لموازنة عام 2026 ميزانية المعاهد الوطنية للصحة بنحو 18 مليار دولار، أي ما يقارب 40%، متهما إياها بـ”إهدار النفقات” و”تبني أيديولوجيات خطيرة”، كما واجهت المؤسسة الوطنية للعلوم، التي وصفت لأجيال بأنها جوهرة التاج في العلوم الأساسية الأمريكية، اقتراحا بخفض ميزانيتها بنحو 55%، من 9 مليارات دولار إلى 4 مليارات فقط.
إعلان
ورغم أن هذه القرارات ووجهت برفض كبير، ولم يتم التصديق على معظمها، حيث قضت المحاكم الفيدرالية بأن تجميد التمويل كان تعسفيا وغير مبرر، ورفض الكونغرس إقرار الكثير من التخفيضات المقترحة، فإن الضرر حدث على أي حال، لأنه لم يحدث بسبب التخفيضات، بل بسبب الفوضى نفسها، خاصة حينما طالبت ميزانية السنة المالية 2027 بتخفيضات جديدة، فالفوضى هي نقيض العلم، لأن الأخير يحتاج لاستقرار، لا يستطيع العالم مثلا التخطيط لمشروع مدته خمس سنوات، في ظل تهديد الحكومة بقطع التمويل كل سنة، ومن ثم كان الضرر الذي لحق بالعلم الأمريكي في عام 2025، متعلقا بشكل أساسي بغياب اليقين.
انهار الركن الثاني في الوقت نفسه، ففي مارس/آذار 2025، أجرت مجلة نيتشر استطلاعا للرأي بين جمهورها من العلماء والباحثين، والذي أصبح من أكثر البيانات التي تم الاستشهاد بها في ذلك العام، فمن بين أكثر من 1600 مشارك، أفاد 75% منهم أنهم يفكرون في مغادرة البلاد، وارتفعت هذه النسبة بين الباحثين في بداية مسيرتهم المهنية، هؤلاء الذين يمثلون مستقبل المجال العلمي، لتصل إلى ما يقارب 80%.
في هذه البيئة، تضاعفت طلبات العلماء المقيمين في أمريكا الراغبين في الحصول على منح لدى المجلس الأوروبي للبحوث تقريبا ثلاث مرات، إذ ارتفعت من 60 إلى 169 طلبا خلال ثلاث دورات تمويل، بينما قفزت طلبات كبار الباحثين الأمريكيين من 23 إلى 114 طلبا في عام واحد. وبالطبع، سارعت الحكومات في الخارج إلى اغتنام هذه الفرصة، حيث أنشأت هولندا صندوقا لاستقطاب الكفاءات المهاجرة، وأعلنت فرنسا وبلجيكا عن وظائف مُخصصة، ودشنت ألمانيا وزارة جديدة للبحوث التقنية المتقدمة.
“ترغب أعداد متزايدة من العلماء المقيمين في الولايات المتحدة في المغادرة إلى أوروبا أو الصين”
في غضون ذلك، بدأت مشكلة أوسع، مع تشديد الولايات المتحدة لقواعد التأشيرات، وتوسيع نطاق فحص وسائل التواصل الاجتماعي، وإظهارها سلوكا عدائيا تجاه الطلاب الدوليين، حيث انخفضت تأشيرات “إف-1” الدراسية الممنوحة للمتقدمين الصينيين في النصف الأول من عام 2025 بنسبة 24%، وانخفضت تلك الممنوحة للمتقدمين الهنود -أكبر دولة مصدرة للطلاب للولايات المتحدة- بنسبة 44% تقريبا. وبحلول أغسطس/آب، كان عدد الطلاب الدوليين الوافدين أقل بنسبة 19% عن العام السابق، وكان الانخفاض أوضح في صفوف الملتحقين ببرامج العلوم والهندسة.
أدركت الصين هذه الفرصة تماما، فعملت على إزالة العقبات العملية التي تمنع انتقال العلماء إليها، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدأت تطبيق تأشيرة “كي” المخصصة للمواهب الأجنبية الشابة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مع تسهيلات أكبر في عدد مرات الدخول ومدة الإقامة، ومن دون اشتراط الحصول مسبقا على دعوة من جامعة أو صاحب عمل صيني. وتتيح التأشيرة لحامليها المشاركة في أنشطة البحث والتعليم والتبادل العلمي وريادة الأعمال، في إشارة واضحة إلى أن الصين لم تعد تركز فقط على إعادة علمائها المهاجرين، بل تسعى إلى فتح مسار مباشر لاستقطاب الباحثين الأجانب أيضا.
وبالتوازي، أنشأت الحكومة المركزية والمقاطعات والجامعات مئات البرامج التي تقدم للباحثين رواتب مرتفعة، وموازنات لتأسيس المختبرات، ومساكن وإعانات انتقال، وأولوية في مدارس الأبناء، إلى جانب التعيين السريع في مناصب أكاديمية متقدمة. وتعرض برامج مثل “صندوق العلماء الشباب المتميزين في الخارج” على الباحثين حرية اختيار اتجاهاتهم العلمية، وتمويلا إضافيا ومكافآت وأجورا تنافسية، بينما قدمت بعض المقاطعات منح انتقال تصل إلى مليون يوان (حوالي 148 ألف دولار) لحملة الدكتوراه القادمين من الخارج في بعض التخصصات النوعية.
وقد بدأت النتائج تظهر بالفعل، إذ انتقل نحو 50 أستاذا من أصول صينية يعملون في جامعات أمريكية إلى الصين خلال النصف الأول من 2025 وحده، ضمن تدفق أوسع شمل أكثر من 850 باحثا منذ 2011، يعمل معظمهم في الهندسة والعلوم الطبيعية والحيوية. وبذلك تحولت الصين تدريجيا من دولة تخسر أفضل عقولها لصالح الجامعات الأمريكية إلى منافس يمتلك المال والمختبرات والسياسات اللازمة لجذبهم في الاتجاه المعاكس.

ما هو أعمق
لكن الضربة السياسية الحالية، كما يبدو، ليست السبب الوحيد فيما نظن أنه “تصدع” بنية العلم الأمريكي، فقد أصابت الضربة بنية منهكة أصلا من الداخل، لأن القوة العلمية العظمى تتغذى في النهاية على الأجيال الجديدة من الشباب الموهوبين في الرياضيات، والفضوليين تجاه العالم الطبيعي، والطموحين بما يكفي لقضاء عقد من الزمن في التدريب على مهنة صعبة ذات دخل متوسط، لا يمكن أن يقودها إلا الشغف.
في هذا الصدد، تبدو الصورة الأمريكية قاتمة حقا، والسبب أقرب إليك مما تعتقد، إنه الهاتف الذكي، أو هكذا يظن بعض العلماء.
لنبدأ بالكفاءة الأساسية، ففي جولة عام 2022 من برنامج التقييم الدولي للطلاب التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهو المعيار العالمي للطلاب البالغين من العمر خمسة عشر عاما، سجل الطلاب الأمريكيون أدنى درجاتهم في الرياضيات في تاريخ الاختبار، بانخفاض قدره 13 نقطة عن عام 2018، وصنف أكثر من ثلث المراهقين الأمريكيين ضمن فئة “ذوي الأداء المتدني”. أما المقياس المحلي، وهو التقييم الوطني للتقدم التعليمي، فقد كشف عن صورة أكثر قتامة، فبحلول عام 2024، سجل طلاب الصف الثاني عشر أدنى مستوياتهم في الرياضيات والقراءة، حيث حصل ما يقرب من 45% من طلاب المرحلة الثانوية على درجات “أقل من المستوى الأساسي” في الرياضيات.
“يسجل الطلاب الأمريكيون مستويات متدنية للغاية في اختبارات الرياضيات المعتمدة”
ما السبب في ذلك؟ الإجابة هي “لا أحد يعرف يقينا”، لكن هناك فرضيات تقول إن وسائل التواصل الاجتماعي تستحوذ الآن على اهتمام المراهقين، وهي مصممة لتقديم جرعات سريعة ومتكررة من المحتوى الخاطف، وبذلك فهي تدرب الدماغ على توقع المكافأة في غضون ثوان.
مثلا، وجدت الباحثة غلوريا مارك، التي تتبعت انتباه الإنسان لعقدين من الزمن وجمعت ذلك في كتابها “مدة الانتباه: طريقة رائدة لاستعادة التوازن والسعادة والإنتاجية”، أن متوسط مدة التركيز على الشاشة انخفض بنحو 103 ثوان بين عامي 2004 و2023، من حوالي دقيقتين ونصف إلى أقل من دقيقة. في المقابل، يعد العلم النشاط الأكثر استدامة في تاريخ البشرية، إذ يتطلب القدرة على التمعن في مشكلة معقدة، أو برهان دقيق، أو مجموعة بيانات مملة لساعات دون الحاجة إلى الإشعارات. وهكذا يتصارع نمطا الإدراك (السريع المسكون بالمحفزات والبطيء الذي يتطلب الصبر المعرفي) دائما، وبالنسبة لجيل نشأ على الخوارزميات، فإن الخوارزميات تنتصر دائما.
وكان معهد فوردهام المتخصص في الشأن التربوي، قد أشار إلى أن التحصيل الدراسي الأمريكي بدأ بالتراجع حوالي عام 2013، وهي اللحظة التي غمرت فيها الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي حياة المراهقين، بالطبع تظل الأدلة ظرفية وغير قاطعة، لكن العلماء يحذرون من انتظار النتائج، ويقولون إن الجيل الذي سيملأ مختبرات أمريكا عام 2040 يدرب يوميا، الآن، على عكس العادات التي يتطلبها العلم تماما.
أضف لذلك نقطة أخرى، وهي أنه من الصعب أن يرغب المرء في أن يصبح عالما في بيئة لا تقدر العلماء، ومن الصعب أن يقدر الخبرة في وسط يتغذى على “الترند”، ويحول العلم إلى “مجرد صوت آخر” في زحمة البيانات. كيف سيفكر الشاب المراهق حينما تغمره أخبار عن “يوتيوبر” يربح ملايين الدولارات وهو لا يفعل أي شيء سوى الأكل أو ممارسة ألعاب الفيديو أمام الكاميرا؟ بم تمتلئ أدمغة هؤلاء المراهقين وكيف تصنع قراراتهم؟ نعتقد أن هذه الأسئلة مهمة لنا هنا أيضا في عالمنا العربي، وليس فقط للشعب الأمريكي.
“نتائج التحصيل الدراسي الأمريكي بدأت بالتراجع عام 2013، وهي اللحظة التي غمرت فيها الهواتف الذكية ووسائل التواصل حياة المراهقين”
المهم، وبعيدا عن “الشك” و”اليقين” حول هذه النتائج، فإن الحقائق واضحة لا لبس فيها، وهي أن مسار الولايات المتحدة في تراجع؛ نتائج الاختبارات تتراجع، وعدد خريجي المدارس الثانوية الأمريكية ينخفض، والاهتمام بمهنة البحث العلمي الشاقة والمرهقة يتضاءل، والاهتمام بالعمل كـ “يوتيوبر” أو “تيكتوكر” يتصاعد. لثلاثة أجيال، غطت البلاد هذا النقص المحلي باستيراد المواهب من جميع أنحاء العالم، لكن الدولة نفسها تعمل بثبات لم يحدث منذ عقود، على قطع هذا المورد أيضا.
والمشكلة أن ذلك يأتي في ظل تراجع واضح في ثقة الناس في العلم. لقد أظهر استطلاع مركز بيو للأبحاث مطلع العام الحالي أن ما بين 76 و77% من الأمريكيين ما زالوا يبدون ثقة كبيرة أو معقولة في قدرة العلماء على العمل بما يخدم المصلحة العامة، لكن هذه الأرقام تخفي شرخا حقيقيا، حيث تراجعت الثقة بالعلماء بنسبة 11% عن ذروتها في عام 2020، والمهم ليس التراجع نفسه ولكن سببه، وهو الانقسام السياسي، حيث كان الجمهوريون مثلا أقل ثقة في العلم (وأخلاقياته)، بسبب ما حدث من معركة سياسية مع إدارة ترمب الأولى أثناء الجائحة.
وهنا تحديدا تظهر المشكلة الأكبر، فبمجرد أن يصنف مستوى الثقة في العلم وفقا للانتماءات الحزبية، تتوقف الادعاءات العلمية عن كونها نتائج موضوعية، وتتحول في أذهان الناس إلى رسائل سياسية، أو دعاية، وحينها تصبح مهاجمة العلم إستراتيجية سياسية فعالة، هذا في الواقع ما حدث في 2025، فالمعركة ضد الباحثين الأجانب سياسية بالأساس، تمتطي اتهامات أخلاقية وعنصرية، لدرجة أن الجامعات الكبرى نفسها باتت هدفا لهجوم المحافظين الذين يرونها “وكرا” للأفكار الليبرالية.
ذلك هو بالضبط ما حذر منه فانيفار بوش قبل عقود، وهو بالضبط ما تجاوزته الصين، حيث اهتمت بحفظ درجة من الاستقلال لمسارات ونتائج البحث العلمي (رغم هيمنة الدولة والحزب)، ونظمت جهود البحث العلمي في خطة طويلة الأمد ربما يصعب على أي نظام ديمقراطي محاكاتها. لقد تعاملت بكين مع العلم كبنية تحتية وطنية أساسية، ومولته بلا هوادة خلال فترات الازدهار والركود على حد سواء.
بالطبع لم تنهر الولايات المتحدة كقوة علمية، ولا تزال جامعاتها المرموقة تشكل أساسا للتصنيفات العالمية عالية القيمة، ولا يزال علماؤها حاضرين في جائزة نوبل وبقوة، لكن لا يمكن لأي بناء أن يصمد طويلا بينما تتصدع أساساته، وهذا هو حال العلم الأمريكي اليوم، والذي يختبر مجموعة من الصدوع المتميزة، بعضها قديم وبطيء، وبعضها جديد ومفاجئ، تتلاقى جميعها في آن واحد.
في النهاية، ربما يتمكن الأمريكيون -بطريقة ما- من حل المشكلة، وربما لا يتمكنون من ذلك، لكن الصين على الجانب الآخر من الكوكب لا تهتم لذلك، فهي تغرد منفردة، وتنطلق للأمام بأسرع ما يمكن
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الجزيرة
syriahomenews أخبار سورية الوطن

