آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية: نهاية حرب أم نظام إقليمي جديد؟

مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية: نهاية حرب أم نظام إقليمي جديد؟

 

د. سلمان ريا

ليست أهمية مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية في أنها أوقفت حرباً استمرت أشهراً بين الطرفين وحلفائهما فحسب، بل في أنها قد تشكل نقطة تحول استراتيجية تعيد رسم التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط لعقد كامل على الأقل. فالتاريخ يعلمنا أن بعض الاتفاقات لا تُقاس بما تنص عليه بنودها المباشرة، بل بما تؤسس له من قواعد جديدة لإدارة الصراع وتوزيع النفوذ. ومن هذه الزاوية تبدو المذكرة أقرب إلى إطار لإعادة تنظيم المنطقة منها إلى مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار.

اللافت أن الاتفاق جاء بعد مواجهة عسكرية واسعة لم تنجح في تحقيق أهداف الحسم التي سعت إليها مختلف الأطراف. الولايات المتحدة لم تتمكن من فرض استسلام سياسي على إيران أو دفعها إلى التخلي عن أوراق قوتها الرئيسية، فيما تكبدت إيران خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة دون أن تنهار منظومتها السياسية أو تفقد قدرتها على التأثير الإقليمي. ونتيجة لذلك عاد الطرفان إلى طاولة التفاوض من موقع مختلف؛ واشنطن أكثر إدراكاً لحدود القوة العسكرية، وطهران أكثر ثقة بقدرتها على الصمود، ما يجعل المفاوضات المقبلة أقرب إلى عملية إعادة توازن بين قوتين متنافستين منها إلى مفاوضات بين منتصر ومهزوم.

في هذا السياق، تكتسب البنود المتعلقة بمضيق هرمز أهمية استثنائية. فالممر الذي يعبر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى عنصر مركزي في معادلة الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي. وإذا نجحت الترتيبات الجديدة في تثبيت حرية الملاحة وخفض مخاطر المواجهة العسكرية، فإن الأسواق العالمية ستكون أمام مرحلة من الاستقرار النسبي بعد أشهر من الاضطراب الحاد في أسعار الطاقة والشحن والتأمين. أما إذا تعثرت عملية التنفيذ أو انهارت المفاوضات اللاحقة، فإن العالم قد يجد نفسه أمام أزمة جديدة في أحد أهم الشرايين الاقتصادية على مستوى الكوكب.

اقتصادياً، تتجاوز تداعيات الاتفاق حدود إيران والولايات المتحدة. فعودة النفط الإيراني إلى الأسواق، والإفراج المحتمل عن أصول مالية مجمدة، وفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في إعادة الإعمار والتنمية، كلها عوامل ستؤثر في أسواق الطاقة العالمية وفي استراتيجيات كبار المنتجين داخل منظمة أوبك وخارجها. كما أن استقرار الملاحة في الخليج سيخفف الضغوط على سلاسل التوريد الدولية التي تعرضت خلال السنوات الأخيرة لسلسلة متلاحقة من الأزمات، من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا واضطرابات البحر الأحمر والخليج.

أما على المستوى الإقليمي، فإن دول الخليج ستكون أمام مرحلة جديدة من الحسابات الاستراتيجية. فمن جهة، يوفر الاتفاق فرصة لخفض المخاطر الأمنية التي أثقلت اقتصادات المنطقة وهددت مشاريعها التنموية الكبرى. ومن جهة أخرى، يثير تساؤلات حول مستقبل التوازن بين النفوذ الأميركي والنفوذ الإيراني، وحول قدرة الدول الخليجية على الحفاظ على هوامش استقلالية أوسع في سياساتها الخارجية بعيداً عن منطق الاستقطاب الحاد الذي حكم المنطقة خلال العقود الماضية.

وفي المشرق العربي تبدو التداعيات أكثر تعقيداً. فإدراج لبنان صراحة في المذكرة يمنح الملف اللبناني بعداً دولياً جديداً، ويجعل أي استمرار للاحتلال أو للاعتداءات العسكرية موضع اختبار مباشر لجدية التفاهم. كما أن أي استقرار طويل الأمد قد يفتح الباب أمام استثمارات وإعادة إعمار تحتاجها دول أنهكتها الحروب والأزمات، وفي مقدمتها لبنان وسوريا والعراق. غير أن ذلك يبقى رهناً بقدرة الأطراف المختلفة على تحويل التهدئة العسكرية إلى ترتيبات سياسية مستدامة.

بالنسبة لإسرائيل، يحمل الاتفاق وجهاً مزدوجاً. فمن ناحية، يخفف خطر المواجهة المباشرة واسعة النطاق مع إيران وما يرافقها من تهديدات اقتصادية وأمنية. ومن ناحية أخرى، يثير مخاوف داخل المؤسسة الإسرائيلية من أن يؤدي تخفيف الضغوط على طهران إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية والإقليمية على المدى المتوسط. ولهذا من المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة نقاشاً حاداً داخل إسرائيل حول كيفية التعامل مع واقع إقليمي لم تعد فيه الخيارات العسكرية وحدها قادرة على فرض النتائج السياسية المطلوبة.

الأهمية الكبرى للمذكرة تكمن أيضاً في أنها تعكس تحولات أوسع في بنية النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية تتراجع فيها قدرة أي قوة منفردة على فرض إرادتها الكاملة. وقد أظهرت الأزمة الأخيرة أن روسيا والصين، وإن لم تكونا طرفين مباشرين في الصراع، أصبحتا عاملين مؤثرين في حسابات جميع اللاعبين. لذلك فإن الاتفاق لا يمكن فصله عن التنافس الدولي الأوسع على طرق التجارة والطاقة والنفوذ في أوراسيا والشرق الأوسط.

مع ذلك، فإن المبالغة في تصوير المذكرة بوصفها نهاية للصراع ستكون خطأ استراتيجياً. فالكثير من الملفات الجوهرية ما زالت مفتوحة، من البرنامج النووي الإيراني إلى الصواريخ الباليستية، ومن النفوذ الإقليمي إلى مستقبل التحالفات العسكرية في المنطقة. وما تم التوصل إليه حتى الآن هو إطار لإدارة الصراع ومنع انفجاره، وليس تسوية نهائية لأسبابه العميقة.

لهذا تبدو المنطقة اليوم أمام مفترق تاريخي حقيقي. فإذا نجحت المفاوضات اللاحقة في تحويل التفاهم إلى اتفاق شامل، فقد نشهد ولادة مرحلة جديدة عنوانها التنافس المنضبط والتنمية الاقتصادية وإعادة بناء الثقة الإقليمية. أما إذا انهارت العملية السياسية، فإن الحرب التي توقفت قد تعود بأشكال أكثر تعقيداً وأشد كلفة على الجميع.

وبين هذين الاحتمالين، يبقى المؤكد أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ليست مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل محطة مفصلية ستترك آثارها على خرائط النفوذ، وأسواق الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية، ومستقبل الأمن في الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة. إنها لحظة انتقال من مرحلة الصدام المفتوح إلى مرحلة إعادة تعريف موازين القوة، وهي عملية لم تنتهِ بعد، بل ربما بدأت للتو

(موقع اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العمل المؤسساتي في الدولة

    كتب: القاضي حسين حمادة   تتألف أي مؤسسة عامة من ثلاثة أركان أساسية: الكادر الوظيفي، والقانون الناظم، والبنية المادية التي تمارس من خلالها ...