آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » من يملك المعرفة… يملك المستقبل

من يملك المعرفة… يملك المستقبل

د. سلمان ريا

 

 

لم يعد النفط هو الذهب الأسود.
ولم تعد البنوك هي قلب الاقتصاد.
ولم تعد الجيوش وحدها تصنع النفوذ.

لقد دخل العالم عصرًا جديدًا، أصبحت فيه المعرفة هي الثروة، والبيانات هي المورد الاستراتيجي، والذكاء الاصطناعي هو السلاح الذي تتسابق الدول لامتلاكه.

الصراع الذي نراه اليوم بين القوى الكبرى لا يدور في حقول النفط، بل في مختبرات الأبحاث. ولا يُحسم في أسواق المال وحدها، بل في الجامعات، وشركات الرقائق الإلكترونية، ومراكز الذكاء الاصطناعي، ومنصات الحوسبة السحابية. ومن يراقب عناوين الأخبار يظن أن المعركة تدور حول التجارة أو الرسوم الجمركية، بينما الحقيقة أعمق من ذلك بكثير: إنها معركة على من سيملك عقل العالم.

لقد تغير تعريف القوة.

في الماضي، كانت الدولة القوية هي التي تمتلك أكبر جيش، أو أكبر احتياطي من الفحم والنفط، أو أكبر عدد من المصانع. أما اليوم، فإن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تنتج المعرفة أسرع من غيرها، وتحولها إلى تكنولوجيا، ثم إلى صناعة، ثم إلى نفوذ سياسي واقتصادي.

لهذا لم تعد الجامعات مؤسسات تعليمية فحسب، بل أصبحت جزءًا من منظومة الأمن القومي. ولم تعد مراكز الأبحاث ترفًا أكاديميًا، بل مصانع للمستقبل. وأصبحت براءة اختراع واحدة قادرة على خلق ثروة تفوق ما تنتجه مناجم كاملة.

العولمة التي بشّرت بعالم مفتوح لم تُلغِ الصراع، بل غيّرت ساحته. فمن يملك التكنولوجيا يفرض المعايير، ومن يملك المنصات يحدد قواعد السوق، ومن يملك البيانات يعرف عن المجتمعات أكثر مما تعرفه هي عن نفسها. وهكذا لم تعد الهيمنة تُمارس بالاحتلال المباشر، بل بالاعتماد التقني، وبالاحتكار المعرفي، وبالقدرة على جعل الآخرين عاجزين عن الاستغناء عن منتجاتك وأنظمتك.

ولذلك فإن أخطر أشكال التبعية في عصرنا ليست التبعية المالية، بل التبعية المعرفية. أن تستورد غذاءك مشكلة، لكن أن تستورد علمك، وتقنيتك، وبرمجياتك، ورقائقك الإلكترونية، وأنظمتك الرقمية، فهذه تبعية تمس جوهر السيادة.

إن الدول التي ما زالت تعتقد أن الثروة تُستخرج من باطن الأرض، بينما العالم يستخرج ثروته من العقول، تخوض سباق المستقبل بأدوات الماضي. فالمورد الوحيد الذي تتضاعف قيمته كلما استُثمر فيه هو الإنسان. والتعليم ليس بندًا في الموازنة، بل البنية التحتية للاقتصاد القادم. والبحث العلمي ليس رفاهية، بل سياسة دفاع، وسياسة خارجية، وسياسة اقتصادية في آن واحد.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل دولة على نفسها لم يعد: كم نملك من النفط أو الغاز؟ بل: كم ننتج من المعرفة؟ كم نسجل من براءات الاختراع؟ كم شركة تكنولوجية عالمية خرجت من جامعاتنا؟ وكم فكرة تحولت إلى صناعة؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد موقع الأمم في العقود المقبلة.

أما من يظل يبيع المواد الخام، ويشتري التكنولوجيا جاهزة، ويستهلك ما ينتجه الآخرون، فسوف يبقى خارج دائرة صناعة القرار، مهما امتلك من ثروات طبيعية.

في السياسة كما في الاقتصاد، لم يعد المستقبل ملكًا لمن يملك الأرض، بل لمن يملك العقل القادر على إعادة تشكيلها.

إن القرن الحادي والعشرين لا يكتب خرائطه بالنفط وحده، ولا بالحديد والنار، بل بالمعرفة. ومن يملك المعرفة، لا يملك اقتصادًا أقوى فحسب، بل يملك قدرة أكبر على رسم مستقبل العالم.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما الذي يُخيف مصر؟

علي عبود       بات لكل دولة في المنطقة “أزمتها الوجودية”، ليس بفعل اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران فقط، وإنما بفعل تعطل ممر “مضيق ...