بقلم: المهندس مكرم عبيد
حتى آدم سميث، الأب الروحي لاقتصاد السوق الحر، أكد في كتابه “ثروة الأمم” أن للدولة دورًا لا غنى عنه في حماية الفئات الضعيفة وضمان توفير الأساسيات التي قد يعجز السوق عن توفيرها بصورة عادلة للجميع.
وفي سياق الدول النامية، تتجلى مسؤولية الدولة تجاه أساسيات الحياة في أربعة أدوار رئيسية:
أولًا: ضمان الأمن الغذائي (وفرة المعروض)
تتمثل المسؤولية الأولى للدولة في ضمان عدم انقطاع الخبز أو السلع الأساسية من الأسواق، ويتحقق ذلك من خلال:
• التخطيط الاستراتيجي: إنشاء الصوامع والمخازن الاستراتيجية للاحتفاظ باحتياطي كافٍ من القمح والمواد الغذائية الأساسية يكفي لعدة أشهر، لمواجهة الأزمات العالمية أو الكوارث الطبيعية.
• دعم الإنتاج المحلي: تشجيع المزارعين وتوفير البذور والأسمدة ومدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد واستنزاف العملات الأجنبية.
ثانيًا: شبكات الأمان الاجتماعي والدعم (القدرة الشرائية)
تفترض اليد الخفية للسوق أن جميع الأفراد يمتلكون القدرة على الشراء، إلا أن الواقع في الدول النامية يكشف وجود ملايين الأسر تحت خط الفقر، مما يجعل تدخل الدولة ضرورة لا خيارًا. ويكون ذلك عبر:
• الدعم السلعي الموجه: توفير السلع الأساسية، مثل الخبز والزيت والسكر، بأسعار مدعومة من خلال بطاقات تموينية مخصصة للأسر الأكثر احتياجًا، بما يحميها من تقلبات السوق.
• الدعم النقدي المشروط: تقديم تحويلات نقدية شهرية للأسر الفقيرة، كما هو الحال في بعض برامج الحماية الاجتماعية مثل برنامج “تكافل وكرامة” في مصر، لتمكينها من تلبية احتياجاتها الأساسية.
ثالثًا: تنظيم السوق ومنع الاحتكار (الرقابة الفاعلة)
في غياب الرقابة، قد يتحول السوق الحر إلى سوق منفلت تهيمن عليه قلة من المحتكرين الذين يلجؤون إلى تخزين السلع والمضاربة بها لرفع أسعارها. ولذلك تلتزم الدولة بـ:
• تفعيل قوانين حماية المستهلك: وفرض عقوبات رادعة على احتكار السلع الأساسية أو التلاعب بأسعارها.
• التدخل عند الضرورة: ففي أوقات الأزمات الكبرى، تمتلك الدولة الحق القانوني والأخلاقي في تنظيم أسعار بعض السلع الاستراتيجية، حمايةً للاستقرار الاجتماعي ومنعًا لاستغلال المواطنين.
رابعًا: توفير البنية التحتية والخدمات العامة
لا تقتصر أساسيات الحياة على الغذاء، بل تشمل أيضًا المياه النظيفة، والكهرباء، والتعليم الأساسي، والرعاية الصحية، وهي حقوق أصيلة وليست رفاهية.
ولأن القطاع الخاص قد لا يجد جدوى اقتصادية في إيصال شبكات المياه أو الكهرباء إلى المناطق النائية، فإن الدولة تتحمل مسؤولية تمويل هذه الخدمات من الموارد العامة، لأن غيابها يؤدي إلى انتشار الأمراض، وتراجع الإنتاجية، وإضعاف الاقتصاد على المدى البعيد.
الخلاصة
مهما اتجهت الدولة نحو تحرير الأسواق وتشجيع المنافسة، فلا يجوز لها أن تقف موقف المتفرج بحجة ترك السوق يعمل وفق آلياته. فالدولة ليست بديلًا عن القطاع الخاص، لكنها الضامن لتوازن المجتمع.
وتتمثل مسؤوليتها في ترك القطاع الخاص يعمل وينتج ويبتكر، مع ممارسة دورها في الرقابة، ومنع الاحتكار، وتقديم الدعم للفئات الأكثر احتياجًا، حتى تظل أساسيات الحياة، وفي مقدمتها الخبز، في متناول جميع المواطنين. فاستقرار المجتمع يبدأ من ضمان الحد الأدنى الكريم من مقومات العيش لكل إنسان
(موقع:أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

