بقلم:د.سلمان ريا
تكشف المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران عن تحوّل عميق في بنية القوة داخل النظام الدولي. فالصراع لم يعد نزاعًا تقليديًا حول البرنامج النووي الإيراني أو حدود الردع العسكري، بل تحوّل إلى اختبار أكثر جوهرية: هل ما تزال القوة العسكرية قادرة، بذاتها، على إنتاج نتائج سياسية حاسمة؟
لا تزال الولايات المتحدة القوة الأكثر تفوقًا عسكريًا وماليًا وتكنولوجيًا، لكنها تواجه المعضلة ذاتها التي واجهتها قوى كبرى عبر التاريخ: امتلاك القدرة على التدمير لا يعني امتلاك القدرة على صناعة نظام سياسي جديد. فالقوة الصلبة، مهما بلغت، تصطدم في لحظة ما بحدودها الموضوعية حين يصبح استخدامُها نفسه مكلفًا أكثر من العائد المرجو منها.
هنا تكمن المفارقة الإيرانية. فإيران، رغم محدودية مواردها قياسًا بخصومها، لا تنافس واشنطن في ميدان التكافؤ العسكري، بل في هندسة الكلفة. إنها لا تحتاج إلى هزيمة خصمها، بل إلى حرمانه من نصر منخفض الكلفة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو أوراقها الحقيقية كامنة في تخصيب اليورانيوم بقدر ما تكمن في الجغرافيا.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة حيوية للاقتصاد العالمي. ومن يملك القدرة على تهديده، ولو جزئيًا، لا يضغط على خصمه المباشر فقط، بل يضغط على بنية النظام الاقتصادي الدولي برمّتها: الطاقة، التجارة، النقل البحري، التضخم، وسلاسل الإمداد. ولهذا، فإن قيمة إيران الاستراتيجية لا تنبع من قدرتها على إنتاج قنبلة نووية فحسب، بل من قدرتها على ربط أمنها القومي بأمن الأسواق العالمية.
في هذه اللحظة، يتحول المضيق من معبر ملاحي إلى أداة إعادة توزيع للقوة. فبينما يمكن احتواء الملف النووي بالتفاوض أو الرقابة أو التجميد، يصعب احتواء الجغرافيا أو التفاوض معها. الجغرافيا هنا ليست خلفية للصراع، بل فاعلًا استراتيجيًا قائمًا بذاته.
أما الصين، فتبدو اللاعب الأكثر هدوءًا والأقل انكشافًا. فهي لا تتحمل أعباء التدخل العسكري، لكنها تستفيد من أي تآكل في صورة الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأوحد للاستقرار العالمي. تحتاج بكين إلى تدفق الطاقة واستقرار الأسواق، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن كل مأزق أمريكي ممتد يسرّع انتقال العالم من الأحادية إلى التعددية.
من هنا، لا يمكن اختزال المشهد الراهن بمنطق الانتصار والهزيمة المباشرين. الولايات المتحدة تملك فائض القوة، لكنها مقيّدة بكلفة استخدامها. إيران تفتقر إلى التكافؤ، لكنها تملك قدرة عالية على التعطيل وإرباك الحسابات الكبرى. أما الصين، فتستثمر في الزمن وفي إنهاك الآخرين.
إن ما يجري في الخليج ليس مجرد أزمة إقليمية، بل إعلان غير مباشر عن تبدّل قواعد اللعبة الدولية. فالعالم يدخل طورًا جديدًا لا يُقاس فيه النفوذ فقط بما تملكه الدول من حاملات طائرات أو احتياطات نقدية، بل بقدرتها على جعل خصومها عاجزين عن تحويل تفوقهم إلى نتائج سياسية مستقرة.
في هذا المعنى، ليست المسألة من يربح الحرب، بل من يفرض على الآخرين استحالة الربح الكامل. وحين تبلغ السياسة هذه النقطة، تصبح الجغرافيا — لا الجيوش — هي صاحبة الكلمة الأخيرة.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
