اخبار سوريا الوطن-اسرة التحرير
في خطوة تعكس انتقال سورية من مرحلة رفع القيود والعقوبات إلى محاولة إعادة بناء علاقاتها المالية مع العالم، بحث حاكم مصرف سورية المركزي صفوت رسلان، الخميس، مع وفد من وزارة الخزانة الأميركية سبل توسيع التعاون المصرفي وإعادة وصل القطاع المالي السوري بالمنظومة المصرفية الدولية.
وشارك في الاجتماعات ممثلون عن المصارف وشركات الصرافة والدفع العاملة في سورية، حيث تناولت المباحثات واقع العلاقات مع المصارف المراسلة الدولية، وآليات تسهيل تمويل التجارة الخارجية، والمتطلبات الرقابية المتعلقة بالعملاء، إلى جانب جاهزية شركات الدفع ونماذج أعمالها ونظام الدفع والتحويل الإلكتروني. كما بحث الجانبان دخول شبكتي Visa وMastercard إلى السوق السورية، والتحديات التنظيمية والتقنية المرتبطة بذلك. وأكد الجانب الأميركي مواصلة التواصل مع البنوك والشركات الأميركية لتسهيل دخولها إلى السوق السورية.
ماذا كان يعني بقاء سورية على قائمة الإرهاب؟
كانت سورية مدرجة على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، وهو تصنيف لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل كان يشكل عامل مخاطرة قانونية ومالية كبيرًا أمام البنوك والمؤسسات الاستثمارية الراغبة في التعامل مع سورية. وحتى بعد بدء واشنطن تخفيف العقوبات الأوسع، ظل التصنيف يشكل عامل ردع للبنوك الدولية التي كانت تخشى مخاطر الامتثال والعقوبات عند إقامة علاقات مالية مع المؤسسات السورية.
لكن المشهد بدأ يتغير بصورة تدريجية قبل رفع التصنيف نفسه. ففي 30 حزيران/يونيو 2025 ألغت الولايات المتحدة برنامج العقوبات الشاملة على سورية، كما أزيلت المؤسسات المالية السورية، بما فيها مصرف سورية المركزي، من قائمة العقوبات الأميركية، وأصبح بإمكان المؤسسات المالية الأميركية، اعتبارًا من الأول من تموز/يوليو 2025، إقامة علاقات مراسلة مع المؤسسات المالية السورية، شرط ألا تكون الأطراف المعنية مدرجة على قوائم العقوبات.
إلا أن بقاء سورية على قائمة الدول الراعية للإرهاب ظل يمثل حاجزًا قانونيًا ونفسيًا وامتثاليًا مهمًا أمام عودة البنوك الدولية بصورة أوسع، وهو ما جعل قرار واشنطن في 24 آب/أغسطس 2026 بإلغاء تصنيف سورية نقطة تحول إضافية في مسار فك العزلة المالية.
ماذا تغير بعد رفع التصنيف؟
ظهرت أولى النتائج العملية سريعًا، إذ أعلنت Visa وMastercard في أواخر آب/أغسطس إجراء أولى عمليات الدفع الدولية بالبطاقات داخل سورية منذ سنوات، في خطوة اعتبرتها رويترز مؤشرًا واضحًا على تسارع إعادة دمج سورية في النظام المالي العالمي.
وشملت التجارب معاملات عبر QNB وMastercard، وكذلك Visa بالتعاون مع فرنسبنك اللبناني، فيما أوضح مصرف سورية المركزي أن توسيع هذه الخدمات على مستوى البلاد يتطلب استكمال العمل في مجالات الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني والرقابة المصرفية.
ماذا يمكن أن تفتح اللقاءات الأخيرة؟
تكتسب اجتماعات مصرف سورية المركزي مع وزارة الخزانة الأميركية أهميتها من كونها تأتي في مرحلة مختلفة: فالمطلوب لم يعد فقط رفع العقوبات، وإنما تحويل القرارات السياسية والقانونية إلى علاقات مصرفية وتجارية فعلية.
وفي حال ترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية، يمكن أن تشهد المرحلة المقبلة توسعًا في شبكة المصارف المراسلة، وتسهيل التحويلات والمدفوعات عبر الحدود، وفتح قنوات أكثر انتظامًا لتمويل الاستيراد والتصدير، إضافة إلى توسيع استخدام البطاقات الدولية وتشجيع شركات الدفع والتكنولوجيا المالية على دخول السوق السورية.
كما يمكن أن يؤدي تحسن العلاقات المصرفية إلى خفض تكاليف التحويلات والتجارة الخارجية، والحد تدريجيًا من الاعتماد على قنوات مالية غير رسمية، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمارات الأجنبية وتمويل مشاريع إعادة الإعمار.
لكن الطريق إلى اندماج كامل لن يكون فوريًا. فسورية لا تزال مدرجة على قائمة مجموعة العمل المالي FATF للدول الخاضعة للمتابعة المعززة (القائمة الرمادية)، وهو ما يعني استمرار الحاجة إلى إصلاحات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والرقابة المالية والشفافية والامتثال. كما أن الولايات المتحدة أبقت عقوبات موجهة ضد أشخاص وكيانات محددة، بينها مرتبطون بنظام بشار الأسد وشبكات تهريب المخدرات وتنظيمات إرهابية ووكلاء لإيران.
وبذلك، تبدو اجتماعات دمشق وواشنطن الأخيرة جزءًا من المرحلة الثانية من مسار الانفتاح الاقتصادي: فبعد إزالة العقبات السياسية والقانونية الكبرى، تبدأ المعركة الأصعب لإعادة بناء الثقة بين المصارف، وإقناع المؤسسات المالية الدولية بأن السوق السورية باتت قادرة على الالتزام بمعايير الامتثال والحوكمة، وتحويل الانفتاح السياسي إلى تدفقات مالية واستثمارات وتجـارة فعلية.

(أخبار سوريا الوطن-المصرف المركزي-وكالات)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

