د. نواف القنطار
يمثل العمل، في المجتمعات والاقتصادات المستقرة، قيمة عليا وطريقاً طبيعياً نحو استقلال الإنسان وتحسين مستوى معيشته، فمن خلاله يستطيع تأمين احتياجاته، وبناء مستقبله، ومنح حياته قدراً من الاستقرار والكرامة، ويبعدها عن مواجهة الفقر والعوز.
لكن ماذا يحدث حين يقضي الإنسان معظم سنوات حياته في العمل والإنتاج، ثم يجد نفسه عاجزاً عن تأمين الغذاء أو السكن أو العلاج؟ ماذا يعني أن يعمل الإنسان في أكثر من وظيفة، ومع ذلك يظل فقيراً؟ وكيف يمكنه أن يخطط للمستقبل، وهو عاجز عن تلبية احتياجات يومه الأساسية؟
في سوريا، بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تراجع وانكماش لم يعد الفقر يطاول العاطلين عن العمل أو الفئات المهمشة فحسب، بل كذلك الموظف والعامل وصاحب المهنة وغيرهم من الذين يضطرون للعمل ساعات طوال، ومع ذلك يعجزون عن الخروج من دائرة الفاقة.
لم يعد العمل، بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين، ضماناً كافياً للحياة الكريمة، بل تحول في كثير من الحالات إلى جهدٍ يومي شاق لا يكفي تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. ولا تكمن المشكلة في غياب فرص العمل، بل في أن العمل المتاح نفسه لا يكفي لإخراج الإنسان من حالة الفقر التي يعاني منها معظم السوريين.
وبحسب إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2025، وصلت نسبة السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى 90%. كما أشار البرنامج إلى أن الاقتصاد السوري خسر خلال سنوات الصراع جزءاً هائلاً من قدرته الإنتاجية، وأن ثلاثة أرباع السكان تقريباً كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية أو يحتاجون إلى دعم تنموي.
من جهة أخرى، قدّر البنك الدولي في تقييمه لعام 2025 أن نحو ثلثي السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نحو ربع السكان يعيشون في فقر مدقع. ولا شك في أن اختلاف الأرقام لا يلغي جوهر المشكلة، بل يؤكد اتساعها وعمقها.
أما الأهم من حجم هذه الأرقام المرعبة، فهو ما يفعله الفقر حين يتحول من حالة استثنائية إلى طريقةٍ لعيش ملايين الأسر التي لم تعد قادرة على التخطط للمستقبل بقدر ما تدير موازنة عجزها اليومي: ماذا تشتري؟ أي فاتورة تؤجل؟ هل تدفع الإيجار أم تشتري الدواء؟ وهل يمكن تأجيل احتياجات أساسية أخرى إلى الشهر المقبل؟
وهكذا، عندما يصبح الدخل عاجزاً عن تغطية الاحتياجات الأساسية، تفقد المؤشرات الاقتصادية المجردة جزءاً كبيراً من معناها الاجتماعي، فقد يسجل الاقتصاد المحلي نمواً وتتحسن حركة التجارة والاستثمار وتتراجع معدلات التضخم، لكن ذلك لا يعني أن ثمار التعافي وصلت إلى الأسر الفقيرة والعاملين والكادحين.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بأكثر من 50% بصورة تراكمية منذ عام 2010، فيما بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي نحو 830 دولاراً في عام 2024. وعلى رغم الحديث عن دخول الاقتصاد السوري مرحلة جديدة من التحولات والإصلاحات مع مؤشرات على تحسن بعض المتغيرات النقدية والاقتصادية، إلا أن مخاطر كبيرة في الأداء ونسبة عدم يقين بالمستقبل لاتزال جلية تماماً. فالنمو الذي تتركز ثماره في قطاعات محدودة، أو تتراكم عوائده في أيدي شبكات تملك رأس المال والنفوذ والقدرة على الوصول إلى العقود والصفقات والأراضي والأسواق، قد ينتج الثروة والفقر في آن واحد.
وهنا تبرز إعادة الإعمار بوصفها أكبر من مجرد عملية بناء الطرق والمساكن والبنى التحتية، فهي عملية اقتصادية واجتماعية قادرة على أن تحدد بشكل كبير مستقبل الاقتصاد السوري برمته.
وقدّر البنك الدولي في عام 2025 تكلفة إعادة إعمار الأضرار المادية في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يعكس ضخامة المهمة وحجم الموارد التي ستحتاجها البلاد، ولكن ضخامة الأموال المطلوبة لا تجيب عن السؤال الأهم الذي يتلخص في كيفية استخدام هذه الأموال، ولمن ستعود ثمارها؟
يمكن إعادة الإعمار أن تصبح فرصة تاريخية لإعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وعدالة، لكنها يمكن أن تتحول أيضاً إلى فرصة جديدة لتركيز الثروة والنفوذ إذا غابت الشفافية والمنافسة والرقابة، فقد ترتفع الأبراج الموعودة، وتُبنى المجمعات التجارية والسكنية، وتتغير ملامح المدن، بينما يبقى العامل الذي ساهم في بنائها عاجزاً عن استئجار منزل لائق أو تأمين العلاج لأطفاله.
من السهل تحميل الحرب وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية، إذ لا شك في أن الحرب دمرت البنية التحتية، وأضعفت القطاعات الإنتاجية، واستنزفت رأس المال البشري، ودفعت ملايين السوريين إلى النزوح والهجرة، وعمقت الفقر والبطالة.
ومع ذلك، فإن اختزال مسببات الأزمة بالحرب ونتائجها قد يحجب أسئلة أخرى تتعلق بكيفية إدارة الاقتصاد والموارد والمؤسسات خلال سنوات الأزمة وفي الفترة الراهنة والمستقبل القريب.
بدورها، ساهمت العقوبات الدولية والقيود الاقتصادية في تعقيد الأوضاع الاقتصادية والمالية إلى حد كبير، كما أدت الظروف المناخية والجفاف إلى تراجع الإنتاج الزراعي لسنوات متعددة. ولكن هذه العوامل وحدها لا تفسر مشكلات مثل ضعف الشفافية، أو ضعف المنافسة، أو سوء إدارة الموارد، أو هشاشة شبكات الحماية الاجتماعية، وبالتالي سيكون من غير الواقعي تحميل الأوضاع الداخلية فقط مسؤولية اقتصاد عاش سنوات طوال من الحرب والعزلة والانكماش والقيود الخارجية.
أما الحقيقة فهي أكثر تعقيداً من كل ذلك، وتحمل في طياتها إدانة واضحة للسياسات الاقتصادية التي لم تنجح في بناء حماية كافية للمجتمع من آثار تلك الصدمات والكوارث التي تعيشها البلاد حتى الآن، على رغم وجود فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي يعمل بها الاقتصاد نفسه.
ومع استمرار هذا الوضع، فلن يتراجع دخل الطبقة الوسطى فحسب، بل كذلك سوف تتآكل قدرتها على أداء دورها الاقتصادي والاجتماعي على حد سواء. فالطبقة الوسطى تمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي، ولكن حين تضطر الأسرة التي كانت قادرة على إعالة نفسها إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها أو إرسال أفرادها إلى العمل الإضافي، فإن الأمر لا يتعلق بتراجع موقت في مستوى الرفاه، إنما باستنزاف تدريجي للمدخرات والأصول والقدرة على الصمود.
وتشير تقارير دولية إلى أن الأسر السورية اضطرت، خلال الأزمة، للجوء إلى آليات تكيف قاسية مثل الاقتراض وبيع الأصول المنتجة والعمل في ظروف صعبة لتغطية احتياجاتها الأساسية. وهكذا يتحول البقاء على قيد الحياة إلى عملية استنزاف بطيئة لموارد المجتمع، فالأسرة التي تبيع أرضاً لتؤمن طعامها لا تحل أزمتها، بل تبيع جزءاً من مستقبلها، كما أن المجتمع الذي يخسر أطباءه ومهندسيه وعماله المهرة بسبب الهجرة فإنه يفقد جزءاً من قدرته على إعادة بناء اقتصاده.
لعلّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاستثناء إلى أمر طبيعي، حين نعتاد على الموظف الذي يحتاج إلى وظيفة ثانية لمواجهة شظف العيش، وعلى الأسرة التي تعتمد على الدين لتأمين احتياجاتها، وعلى الطفل الذي يغادر المدرسة ويعمل في أسوأ الأعمال للمساهمة في زيادة دخل أسرته، وعلى المواطن الذي ينتظر المساعدة لتأمين ضرورياته. فالفقر لا يهدد مستوى المعيشة فحسب، إنما يخفضه إلى الحد الذي يصبح فيه البقاء على قيد الحياة إنجازاً، ويتحول العيش الكريم تدريجاً إلى مطلب يبدو، في نظر البعض، ترفاً أو طموحاً مبالغاً فيه.
لا شك في أن المساعدات الإنسانية ضرورية في مثل ظروف الحرب أو الكوارث، ولا يمكن التقليل من أهميتها في مجتمع يعيش أوضاعاً بحجم الكارثة السورية، لكنها ليست مشروعاً اقتصادياً، ولا يمكن أن تكون بديلاً دائماً من العمل والإنتاج والحماية الاجتماعية، وحين تتحول المساعدة من جسر موقت نحو التعافي إلى وسيلة دائمة لإدارة الفقر، فإنها تعالج أعراض الأزمة أكثر مما تعالج أسبابها.
ولهذا يجب أن تسير الاستجابة الإنسانية بالتوازي مع استعادة سبل العيش الكريم، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة بناء الخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل منتجة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، فالهدف النهائي ليس أن يبقى الإنسان مستفيداً من المساعدة، وإنما أن يستعيد القدرة على إعالة نفسه وأسرته بعمل منتج ومستقر وشريف.
تحتاج سوريا إلى استثمارات ضخمة للمساعدة في نهوض الاقتصاد المنهار، لكنها لا تحتاج إلى استثمارات بأي ثمن، فقيمة الاستثمار لا تُقاس بحجم الأموال التي تدخل البلاد فقط، وإنما أيضاً بما تتركه وراءها من وظائف مستقرة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وسلاسل توريد محلية، وموارد ضريبية تعود بالنفع على المجتمع بأسره.
أما الاستثمار الذي يركز على المضاربة العقارية، أو يرفع أسعار الأصول، أو يراكم الأرباح داخل دوائر ضيقة من أصحاب رؤوس المال والنفوذ، فقد يخلق نشاطاً اقتصادياً ظاهرياً من دون أن يبني اقتصاداً قادراً على استيعاب فرص العمل وتحسين حياة المواطنين.
وبدوره يشكل القطاع الخاص جزءاً أساسياً من أي نهوض اقتصادي حقيقي، فالسوق ضرورية لتخصيص الموارد وتحفيز الإنتاج، لكن السوق وحدها لا تصنع العدالة، خصوصاً عندما تكون المؤسسات ضعيفة، والمنافسة محدودة، والاحتكار أقوى من قدرة المستهلك على الاختيار، والعامل أضعف من أن يطالب بأجر يكفيه للعيش.
أما المطلوب، فليس اقتصاداً مغلقاً تهيمن فيه الدولة على تفاصيل الاقتصاد كلها، بل دولة تقوم بوظائفها الاقتصادية الأساسية: تحمي المنافسة، وتكافح الاحتكار، وتضمن حقوق العمال، وتبني نظاماً ضريبياً أكثر عدالة، وتوفر التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وتخلق بيئة مؤسساتية تسمح للقطاع الخاص بالاستثمار والإنتاج من دون تحويل الاقتصاد إلى ساحة امتيازات ونفوذ، ما يشكل الحد الفاصل بين اقتصاد يخدم المجتمع واقتصاد يستخدم المجتمع وقوداً لنموه.
لذلك، فإن المعركة الاقتصادية المقبلة في سوريا قد لا تكون بين الدمار والبناء، وإنما بين نموذجين للتعافي:
الأول، نموذج يدفع فيه المجتمع تكلفة الأزمة، بينما تتراكم مكاسب التعافي في أيدي مالكي رؤوس المال والنفوذ.
والثاني، نموذج يجعل من إعادة الإعمار فرصة لإعادة بناء الاقتصاد والمجتمع معاً، اقتصاد يخلق فرص العمل، ويحسن الإنتاجية، ويمكّن الطبقة الوسطى، ويحمي الفئات الأضعف، ويجعل ثمار النمو قابلة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من السكان.
ولعل المعيار الحقيقي يتلخص في السؤال: هل سيتمكن العامل السوري في هذه الظروف من العيش بكرامة؟ إذا بقي العمل طريقاً إلى الفقر، فإن المشكلة الأساسية لن تُحل، لأن التعافي الحقيقي لا يبدأ عندما ترتفع الأبنية الضخمة، بل عندما يصبح الإنسان قادراً على العيش من عمله بشرف وكرامة. وبالتالي فإذا كان العمل في سوريا ما بعد سقوط النظام السابق، قد تحوّل إلى طقوس يومية لاستنزاف الجهد الإنساني من دون أن يكون باستطاعته تغطية اكلاف الحياة، فنحن أمام أزمة أكبر من أن تكون اقتصادية فقط، نحن أمام إفلاسٍ أخلاقي في مفهوم الدولة، وإفلاس سياسي في إدارة الموارد، وإفلاس مجتمعي في توزيع فرص العمل، فليس أقسى من مجتمع يُنتج الفقراء الذين يبنون القصور ويتركهم في نهاية اليوم ينامون في العراء.
أخبار سوريا الوطن١-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

