بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
بعد أربعة عشر عامًا من اقتصاد الحرب في سورية، وما خلّفه من تراجع في الإنتاج والاستثمار، وتآكل في القوة الشرائية، واتساع للاقتصاد غير المنظم، وتشوهات حادة في الأسعار وسوق العقارات، تقف سورية أمام استحقاق الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التعافي والإنتاج والتنمية.
إن تعافي الاقتصاد السوري يحتاج إلى استقطاب استثمارات عربية وأجنبية حقيقية تعيد تشغيل الاقتصاد، وتزيد الإنتاج، وتوفر فرص العمل، وأيضًا تحتاج إلى عودة رؤوس الأموال السورية وإدخالها في عجلة الاقتصاد.
لكن هناك فرق جوهري بين رأس المال المشروع وبين الأموال المتحصلة من الفساد والسرقة والابتزاز والجرائم المنظمة، والتي تبحث عن قنوات لإخفاء مصدرها وإعادة إدخالها في الاقتصاد بصورة تبدو مشروعة.
فالأولى يجب حمايتها وتشجيعها وتوفير البيئة الآمنة لاستثمارها، أما الثانية فيجب كشف مصادرها وتتبع مساراتها وتجميدها ومصادرتها وفق القانون، وملاحقة مرتكبي الجرائم واسترداد الأموال المنهوبة، بما يحول دون تحول الاقتصاد السوري إلى ملاذ لغسل الأموال أو وسيلة لإضفاء المشروعية على الثروات غير المشروعة.
ويأتي القطاع العقاري في مقدمة هذه القنوات؛ إذ يمكن لضخ الأموال غير المشروعة في العقارات أن يخلق طلبًا مصطنعًا، ويدفع الأسعار إلى مستويات لا تتناسب مع القيمة الحقيقية للعقار أو دخول المواطنين، بما يؤدي إلى تشويه السوق وزيادة المضاربات.
من هنا تبرز الحاجة إلى منظومة قانونية متكاملة وإطار مؤسساتي متخصص لمكافحة غسل الأموال والثراء غير المشروع.
وفي هذا السياق، ترتبط مكافحة غسل الأموال ارتباطًا وثيقًا بالعدالة الانتقالية؛ إذ لا تكتمل العدالة بمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات فحسب، بل تقتضي أيضًا تتبع الأموال والممتلكات المتحصلة من الجريمة والفساد، واستردادها أو مصادرتها وفق أحكام القانون وبقرارات قضائية تضمن حقوق أصحاب الأموال المشروعة.
كما ينبغي أن تترافق هذه المنظومة القانونية مع:
أولًا: القيام بإصلاحات مالية، أبرزها ما يلي:
1- إصلاح النظام المصرفي والمالي وتعزيز الرقابة على التحويلات وحركة الأموال.
2- إصلاح النظام الضريبي والجمركي وربط قواعد البيانات المالية والتجارية والعقارية.
3- تشديد الرقابة على سوق العقارات وكشف مصادر تمويل عمليات البيع والشراء.
4- تعزيز أجهزة الرقابة المالية ومكافحة الفساد وضمان استقلاليتها وفعاليتها.
5- تجميد وحجز ومصادرة الأموال المتحصلة من الجرائم وفق أحكام قضائية، مع حماية حقوق الغير حسن النية.
6- استرداد الأموال المنهوبة والموجودة في الخارج عبر التعاون المالي والقضائي الدولي.
7- إصلاح الموازنة العامة والإنفاق الحكومي وتعزيز الشفافية والرقابة على المال العام.
ثانيًا: معالجة الأضرار التي لحقت بمالكي العقارات من جراء تطبيق بعض التشريعات العقارية الظالمة، وخاصة المرسوم 60 لعام 1979.
ثالثًا: إعادة النظر بقوانين التنظيم العقاري، ولا سيما:
1- القانون رقم 66 لعام 2012.
2- القانون رقم 10 لعام 2018.
3- القانون رقم 23 لعام 2015.
النتيجة
سورية الجديدة بحاجة إلى اقتصاد مفتوح للاستثمار، لكنه ليس اقتصادًا مفتوحًا لغسل الأموال.
فالأموال النظيفة لا تبني سوقًا نظيفًا فحسب، بل تساعد أيضًا في بناء دولة أكثر نزاهة، واقتصاد أكثر عدالة واستقرارًا، ومجتمع أكثر قدرة على التعافي والنمو.
ومن هنا، فإن بناء منظومة فعّالة لمكافحة غسل الأموال يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني أوسع لإعادة بناء الاقتصاد السوري على أساس القانون والشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

