آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » النقل العام أولًا… والحاجة إلى التوازن بين أعداد السيارات ومساحات الطرقات

النقل العام أولًا… والحاجة إلى التوازن بين أعداد السيارات ومساحات الطرقات

عبد اللطيف شعبان

 

 

شهدت العقود الأخيرة تزايدًا كبيرًا في أعداد السيارات بمختلف أنواعها، ولا سيما السيارات الخاصة، مستفيدةً من التسهيلات والقروض التي أتاحت لشرائح واسعة من المواطنين فرصة اقتنائها، إضافة إلى من سمحت لهم دخولهم بذلك. وترافق هذا التوسع، ولسنوات طويلة، مع زيادة في أطوال الطرقات وتحسينها، سواء الأوتوسترادات التي تربط مراكز المحافظات، أم الطرق بين المناطق، أم الطرق الريفية.

إلا أن الزيادة المتلاحقة في أعداد السيارات تجاوزت بكثير معدلات زيادة أطوال الطرق ومساحاتها، الأمر الذي بات واضحًا في مختلف المدن وعلى الطرق العامة. فالشوارع الرئيسية تشهد ازدحامًا متواصلًا، فيما تنتشر السيارات المتوقفة على جانبي الكثير من الطرقات، الأمر الذي يضيّق المساحات المخصصة لحركة السير والمشاة، ويجعل عبور الشوارع أكثر صعوبة وخطورة.

وفي كثير من المدن، يضطر السائق إلى قطع عدة كيلومترات بحثًا عن موقف لسيارته، بينما لم يعد كثير من سكان الأبنية وأصحاب المحلات التجارية يجدون مكانًا قريبًا لوقوف سياراتهم. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى اضطرار أشخاص إلى تغيير أماكن سكنهم بحثًا عن حي تتوافر فيه إمكانية أفضل لوقوف سياراتهم.

النقل العام هو الحل الأكثر استدامة

ورغم هذا الواقع، فإن المشكلة لا تبدو أزمة نقل بالمعنى التقليدي، بقدر ما هي أزمة تنظيم واستخدام للطرق ووسائط النقل. فوسائل النقل موجودة داخل المدن وخارجها، ومع ذلك لا يزال الإقبال على اقتناء السيارات الخاصة والعامة مستمرًا، بدليل التزايد المتتابع في أعداد السيارات وفي النشاط التجاري المرتبط بها.

وهنا تبرز أهمية تطوير النقل العام داخل المدن باعتباره أحد أهم الحلول لمعالجة الازدحام والتخفيف من الاعتماد المتزايد على السيارات الخاصة. فالنقل العام المنظم والمنتظم والمريح، إذا توافرت له البنية المناسبة والحافلات الحديثة والخطوط الكافية ومواعيد التشغيل الموثوقة، يمكن أن يشجع المواطنين على استخدامه بدلًا من استخدام سياراتهم الخاصة في كل تنقل.

ومن هنا، فإن تحديث النقل العام يجب ألا يقتصر على استبدال وسيلة نقل بأخرى، بل ينبغي أن يكون جزءًا من رؤية متكاملة تشمل تحسين شبكة النقل، وتنظيم مسارات الحافلات، وتأمين مواقف مناسبة، وربط مختلف مناطق المدن بعضها ببعض، وإعطاء النقل العام الأولوية في الشوارع التي تشهد كثافة مرورية عالية.

وقد ورد في الإعلام خلال الأيام الماضية أن لدى الجهات المعنية توجهًا لتحديث النقل في سورية، من خلال استبدال السرافيس والتكاسي القديمة وإدخال باصات كهربائية. وهي خطوة يمكن أن تشكل بداية مهمة، إذا جاءت ضمن خطة شاملة لتطوير النقل العام، لا مجرد زيادة أعداد الآليات الموجودة في الشوارع.

فإدخال أعداد جديدة من الحافلات، من دون دراسة حركة المرور ومساحات الطرق ومواقع التوقف، قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الشوارع. كما أن استبدال المركبات القديمة ينبغي أن يراعي أوضاع أصحابها، لأن هذه المركبات تمثل مصدر دخل لعشرات الآلاف من الأسر.

وفي المقابل، فإن توجيه جزء من السيارات المستبدلة إلى العمل على الطرق الريفية يمكن أن يحقق خدمة مهمة لسكان القرى والمناطق البعيدة، شرط أن تكون هذه العملية مدروسة بحيث تضمن لأصحاب تلك المركبات دخلًا مناسبًا يتيح لهم الاستمرار في عملهم.

التوازن بين السيارات والطرقات ضرورة وطنية

إن المصلحة الوطنية تقتضي وضع دراسة شاملة تحقق التوازن بين أعداد السيارات والآليات من جهة، وأطوال الطرق ومساحاتها وقدرتها الاستيعابية من جهة أخرى. فليس من المنطقي أن تستمر أعداد المركبات بالارتفاع من دون أن تترافق معها حلول تتعلق بتنظيم المرور وتطوير النقل العام وتأمين مواقف السيارات.

كما ينبغي إلزام أصحاب الأبنية السكنية والتجارية والصناعية بتأمين أماكن مناسبة لوقوف السيارات ضمن المخططات والتراخيص، ولا سيما في الأبراج والمجمعات السكنية التي غالبًا ما يقطنها أشخاص يملكون سيارات خاصة.

ومن الضروري كذلك وضع سياسة واضحة لتجديد السيارات القديمة، بحيث تتوافر تسهيلات حقيقية لأصحابها تساعدهم على استبدالها بمركبات أكثر أمانًا وأقل استهلاكًا للوقود، مع إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية مناسبة لمن يعتمدون عليها كمصدر أساسي للدخل.

ولا يقل أهمية عن ذلك معالجة ملف السيارات والآليات القديمة الخارجة عن الخدمة، من خلال الاستفادة من حطامها وإعادة تدويره، بدل أن تبقى ركامًا موزعًا في المدن والريف، كما هو حال آلاف السيارات والآليات المهترئة المركونة في أماكن مختلفة منذ سنوات طويلة.

إن معالجة مشكلة النقل لا تكون بزيادة عدد السيارات فقط، ولا باستبدال المركبات القديمة بأخرى جديدة فحسب، وإنما من خلال منظومة متكاملة يكون في مقدمتها نقل عام حديث وفعال ومريح، إلى جانب تنظيم استخدام السيارات الخاصة، وتأمين مواقف كافية، وتحسين الطرق وإدارة حركة المرور.

فكل حافلة نقل عام جيدة يمكن أن تعني عشرات السيارات الخاصة الأقل في الشوارع، وكلما أصبح النقل العام أكثر كفاءة وأمانًا وراحة، أصبح المواطن أقل حاجة إلى استخدام سيارته الخاصة. وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحظى بالأولوية عند رسم مستقبل النقل في المدن السورية.

الكاتب: عضو جمعية العلوم الاقتصادية – عضو اتحاد الصحفيين

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الطيران المدني السوري أمام مرحلة جديدة: إعادة بناء شبكة الربط الجوي وفتح مسارات جديدة أمام حركة المسافرين والتجارة والاستثمار 

  دمشق: رولا فايز خليل   لم تعد عودة الطيران المدني السوري إلى مساره الطبيعي مجرد ملف خدمي يتعلق بالرحلات والمطارات، بل أصبحت جزءًا من ...