آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » من وهم الدولة الموحّدة إلى إدارة التفكك..!!

من وهم الدولة الموحّدة إلى إدارة التفكك..!!

 

د. سلمان ريا

تقوم أدبيات إعادة الإعمار بعد النزاعات على فرضية تبدو بديهية ظاهريًا: أن الدولة، مهما بلغ مستوى تآكلها، يمكن إعادتها إلى حالة سابقة من التماسك عبر تدخلات تقنية ومؤسساتية واقتصادية تقودها شبكات دولية متعددة الأطراف،غير أن هذه الفرضية، في الحالة السورية، تكشف عن تمسك عنيد بصورة الدولة الحديثة أكثر مما تكشف عن فهم فعلي للواقع.

فما انهار في سوريا ليس مجرد جهاز إداري أو بنية تحتية قابلة للترميم، بل تصور كامل للدولة باعتبارها مركزًا موحدًا للسلطة والتنظيم. خلال سنوات الصراع، لم تتفكك المؤسسات فقط، بل أعيد تشكيل المجال السياسي والاجتماعي نفسه. لم تعد الدولة مركزًا يحتكر إنتاج النظام، بل أصبحت طرفًا داخل شبكة متداخلة من السلطات المحلية، والاقتصادات الموازية، وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

من هنا، يبدو خطاب “إعادة البناء” أقرب إلى محاولة ترميم صورة ذهنية للدولة أكثر منه مشروعًا سياسيًا قابلًا للتحقق. فهو يفترض ضمنًا أن التفكك السوري مجرد انحراف مؤقت عن حالة طبيعية قابلة للاستعادة، متجاهلًا أن ما نشأ خلال العقد الماضي ليس فراغًا سياسيًا، بل أنماطًا جديدة من التنظيم والاستقرار والتكيّف، مهما بدت هشة أو متنافرة.

المأزق ليس تقنيًا، بل معرفي في جوهره. إذ لا يزال النموذج الدولي يتعامل مع سوريا كنظام متعطّل يحتاج إلى إعادة ضبط، بينما الواقع يشير إلى نظام أعاد إنتاج نفسه في صورة مختلفة، متعددة المراكز، ومقاومة بطبيعتها لإعادة التمركز القسري.

بهذا المعنى، لم يعد الاستقرار السوري قابلًا للاختزال في صيغة واحدة أو مركز واحد. هناك استقرارات جزئية، محلية، ومؤقتة، تتشكل وفق توازنات أمنية واقتصادية واجتماعية متباينة. ومحاولة صهرها داخل نموذج موحّد قد لا تنتج دولة أكثر تماسكاً، بل قد تعيد تنشيط التوترات التي جرى احتواؤها مؤقتًا.

تكمن مشكلة إعادة الإعمار الدولية في أنها تسعى إلى استعادة دولة لم تعد موجودة، وربما لم تعد ممكنة أصلًا بالشكل الذي تُتخيل به. إنها تفترض أن التاريخ يمكن إرجاعه إلى نقطة سابقة، وأن التعقيد الذي راكمته الحرب يمكن تفكيكه عبر إعادة بناء المؤسسات. لكن الحروب الطويلة لا تدمّر الدول فقط؛ إنها تغيّر شروط إمكانها.

لذلك، لا يبدو السؤال الحقيقي في سوريا هو كيف نعيد بناء الدولة، بل أي شكل من التنظيم السياسي يمكن أن ينشأ فوق هذا الواقع المركّب دون إنكار بنيته الفعلية. أي مشروع يتجاوز هذا السؤال يظل أسير الحنين إلى نموذج سياسي فقد قدرته على التفسير قبل أن يفقد قدرته على الحكم.

في النهاية، لا تكشف سوريا فقط حدود مشاريع إعادة الإعمار، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها: فكرة أن الدولة كيان يمكن إصلاحه كما تُصلح الآلات. غير أن المجتمعات لا تُرمم بهذه الطريقة، والتاريخ لا يعود إلى الوراء. ما يحدث في سوريا ليس توقفًا مؤقتًا في عمل الدولة، بل تحوّل عميق في معنى الدولة نفسها.

ومن هنا، فإن الإصرار على استعادة النموذج القديم لا يمثل حلًا، بل شكلًا آخر من أشكال العجز عن قراءة العالم كما صار، لا كما نرغب في أن يكون.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رواندا… هل تحمل درساً لسوريا؟

    بقلم: عدنان الشمالي   قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت رواندا تقف على حافة الانهيار الكامل. حرب أهلية وصراع إثني دامٍ حصد أرواح ...