محمد عبدالله ميهوب
لا يسعني كسوري، إلا أن أشاطر كل عائلة من تلك العائلات التي ألقي أبناؤها في حفرة الجـ.’ـريمة والمو’ت ألمها وحزنها ووجعها، ولعل في إنزال القصاص العادل شيئاً يبرد القلوب، ويعيد إلى الضحايا بعض حقهم، وإلى الأمهات بعض عزائهن.
ولهذا أقولها بوضوح، وبلا مواربة، وبلا خوف من ابتزاز الطائفية:
عقبال كل أمجد، وكل شبيه به، من التضامن إلى عدرا العمالية، ومن درعا إلى ريف اللاذقية، ومن حلب إلى السويداء والحسكة، ومن حماة إلى مجا.ز’ر الساحل، ومن عام 2011 إلى هذه اللحظة.
فالله الذي جبر قلب الأم التي ألقي ابنها في حفرة الموت، سيجبر مهما طال الزمن قلب الأم التي ألقي طفلها في بيت النار في أفران عدرا العمالية.
والعدل الذي طال مجرما هنا، لا بد أن يطال مجرما هناك.
فالدم الحرام لا مذهب له، والضحية لا طائفة لها، والجريمة لا تغتسل بانتماء، ولا تتقدس بشعار، ولا تسقط بالتقادم.
وأزيد في الوضوح وضوحا:
من أراد أن يحمي الجريمة باسم الهوية، فقد خان الهوية والإنسان والدين والوطن.
قال الإمام علي عليه السلام، في وصيته لمالك الأشتر:
«إِيَّاكَ وَالدِّمَاءَ وَسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ، وَلَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ، وَلَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَانْقِطَاعِ مُدَّةٍ، مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّها، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ اَلْعِبَادِ فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ اَلدِّمَاءِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، فَلَا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَيُوهِنُهُ، بَلْ يُزِيلُهُ وَيَنْقُلُهُ، وَلَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللهِ وَلَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ».
فليسمع من يريد أن يسمع: كل سلطان يقوى بالدم الحرام سيزول به.
وكل جماعة تحمي قاتلها ستدفع ثمن حمايته من روحها وكرامتها ومستقبلها.
وكل بلاد تكيل الدم بمكيالين لن تعرف السلام، ولن تستقر على عدل، ولن تخرج من دوامة الخوف.
والعدالة لن تكون عدالة إذا انتقت ضحاياها، ولا يكون القصاص قصاصا إذا وقف عند مجرم وترك مجرما آخر.
إن الإشكال الأكبر في هذه البلاد أن الطائفية جعلت كل جماعة تظن أن الله لها وحدها، وأن المظلوم منها وحده مظلوم، وأن المجرم إذا خرج من جماعتها صار قابلا للتبرير أو التأويل أو الصمت.
إذا قيل إنهم كلهم أمجد يوسف، فبأي حق يُرفَضُ أن يقال وإنهم كلهم دو’اعـ11؟
وهذا هو عين الخراب.
فالله ليس حكرا على طائفة، ولا العدل ملكا لجماعة، ولا القصاص انتقاما أهليا تتقاسمه العصبيات.
الله عدل على الجميع، ومن لم يعتبر بما جرى للمجرمين قبل اليوم، فلينظر في قصص الأولين، من فرعون إلى كل من ظن أن السلطان يحمي الدم الحرام.
هذه البلاد لم تعد تحتمل مزيدا من الطائفية.
لم تعد تحتمل أن يعاقب مجرم ويكرّم آخر!!!
لم تعد تحتمل أن نبكي ضحية هنا ونصمت عن ضحية هناك.
لم تعد تحتمل منهجاً ينام على دم ويستيقظ على دم آخر.
إن سوريا لا تقوم إلا بعدالة واحدة، وميزان واحد، وقانون واحد، وذاكرة شجاعة لا تنتقي موتاها بحسب الطائفة والمذهب والمنطقة.
نعم، أنا سعيد بأن سوريا واحدا مظلوماً شعر بأن حقه قد عاد ولكن سعادتي لا يمكن أن تكون أخلاقية إلا عندما تكتمل وقد عاد حق جميع السوريين وحق كل مظلوم بدون استثناء أيا كانت طائفته وأيا كانت قوميته.
فالبلاد لا تصلح بمعاقبة مجرم وتكريم آخر.
ولا بإدانة جريمة وتبرير أخرى، ولا برفع صوت الضحية حين تكون من هنا وخنق صوتها حين تكون من هناك.
البلاد لا تصلح إلا حين نقول جميعا، بلا خوف ولا مواربة:
كل قاتل يجب أن يُحاسب.
كل دم بريء يجب أن ينصف.
كل أم ثكلى لها حق في العدالة.
وكل خطاب كراهية، يجب أن يواجه بالقانون.
ومن لم يعتبر، فليعتبر.
فقد رأينا من ظنوا أن الدم يحمي سلطانهم، فإذا بالدم نفسه يطوي سلطانهم، ويترك أسماءهم لعنة في ذاكرة الناس والتاريخ.
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
