آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » يسرى ديب… متى صارت المرأة حكاية؟ رحلة في تجربتها التشكيلية والتعبيرية

يسرى ديب… متى صارت المرأة حكاية؟ رحلة في تجربتها التشكيلية والتعبيرية

بقلم: علي نفنوف

 

 

لوحة جميلة قادرة على أن تبقى في الذاكرة قليلًا ثم ترحل، فالجمال قد يخطف العين للحظة، ثم يتركها تمضي، بينما هناك لوحات تشعر أمامها أن شيئًا ما لم تقله بعد، وأن خلف اللون حكاية، وخلف الملامح حياة، وخلف السكون إحساسًا ينتظر من يكتشفه.

ومن هنا تحديدًا أجد تجربة الفنانة التشكيلية يسرى ديب، التي لا يمكن اختزال أعمالها في جمال المرأة أو ثراء اللون أو حضور الزخرفة التراثية، لأن هذه العناصر عندها تبدو وسائل للوصول إلى شيء أعمق، هو الإنسان وما تختزنه المرأة من ذاكرة ومشاعر وتجارب.

حين أتأمل أعمال يسرى ديب، أشعر أنني أمام امرأة لا تدخل اللوحة لكي تستعرض جمالها، تدخلها وهي تحمل حكاية لا نعرف تفاصيلها. تجلس، تنظر، تمسك إناءً، ترتدي ثوبًا مزينًا، ثم تترك لنا المساحة كي نسأل: ماذا تفكر؟ ماذا تنتظر؟ من أين جاءت؟ وما الذي تركه الزمن في داخلها؟

وهنا تبدأ الحالة التعبيرية في تجربتها.

فالتعبيرية ليست دائمًا صراخًا في اللون، أو تشويهًا للشكل، أو حركة عنيفة للفرشاة. يمكن للتعبير أن يسكن في نظرة هادئة، وفي انحناءة رأس، وفي يد تستقر فوق إناء، وفي امرأة تبدو ساكنة بينما يشعر المتلقي أن داخلها ممتلئ بالحركة. وهذا النوع من التعبير هو ما أراه في أعمال التشكيلية يسرى؛ فهي لا تقدم الانفعال جاهزًا، بل تتركه يتشكل داخلنا.

في إحدى لوحاتها تجلس امرأة بثوب أسود تتوسطه زخارف حمراء وبيضاء، وإلى جانبها إناء فخاري، فيما يملأ الأحمر جزءًا كبيرًا من الخلفية. وفي عمل آخر تظهر امرأة بثوب أزرق طويل تحمل إناءً فخاريًا، ويغمر الأزرق المكان والجسد والفضاء المحيط به.

هنا لا يعود اللون مجرد اختيار جمالي؛ الأحمر يخلق مناخًا أكثر حرارة واحتدامًا، والأزرق يفتح مساحة أكثر هدوءًا وتأملًا، وكأن الفنانة لا تغير لون اللوحة فقط، وإنما تغير الحالة النفسية التي تعيشها الشخصية.

لذلك نرى أن الزخرفة في أعمالها ليست هدفًا مستقلًا، وإنما جزء من الحكاية. الثوب المزخرف يحمل ذاكرة المكان، ويستعيد لغة التطريز والحرفة والمرأة التي كانت تصنع وتلبس وتحفظ هذه التفاصيل. لذلك لا تبدو المرأة منفصلة عن ثوبها، كما لا يبدو الثوب منفصلًا عن الذاكرة التي يستدعيها. إنها تستعيد التراث من خلال الإنسان، ومن خلال الأشياء التي حولها.

حتى الأواني الفخارية التي تتكرر في أعمالها يمكن أن تُقرأ أكثر من كونها عناصر تكوين. الإناء يستحضر البيت، والماء، والحرفة، واليد، والحياة اليومية، ويضع المرأة داخل سياق إنساني واجتماعي واضح. وحين تمسك المرأة بالإناء، تبدو العلاقة بينهما أقرب إلى علاقة ذاكرة بشاهدها؛ شيء صغير يحمل وراءه حياة كاملة.

وهذا ما يجعلني أميل إلى وصف تجربة يسرى بأنها رسم للحكاية من خلال الصورة. نحن لا نرى القصة كاملة، نحن نرى لحظة منها، والفنانة تترك لنا مهمة تخيل ما سبقها وما سيأتي بعدها. هذه المساحة غير المرسومة هي التي تمنح العمل فرصة كي يعيش خارج حدود القماش.

وكونها امرأة يضيف إلى تجربتها زاوية نظر خاصة، من دون أن يعني ذلك أن الأنوثة وحدها تصنع عمق العمل. إنما هناك تفاصيل يمكن أن تكتسب حساسية مختلفة حين تأتي من تجربة أنثوية معاشة؛ الثوب، الزينة، الجلسة، الانتظار، البيت، العلاقة مع الأشياء اليومية. تتحول هذه التفاصيل من مفردات بصرية إلى ذاكرة شخصية وجماعية، وهذا ما يجعل المرأة عندها أقرب إلى كائن له عالم داخلي، وليس مجرد نموذج جمالي.

وتتسع تجربتها أكثر حين نضع في الاعتبار حضورها في المعارض، إلى جانب تجربتها في التدريس والتربية الفنية والتدريب. فالفنانة هنا لا تكتفي بصناعة أعمالها، وإنما تنتقل إلى موقع آخر، هو مساعدة الآخرين على اكتشاف قدرتهم على التعبير.

وهذا انتقال مهم، لأن تعليم الفن لا يعني تعليم اليد كيف تمسك الفرشاة فقط، وإنما تعليم العين كيف ترى، والروح كيف تترجم ما تشعر به إلى خط ولون وشكل.

ومن هذه الزاوية تصبح تجربة يسرى ديب ذات مسارين متكاملين: فنانة تبحث عن إحساس الإنسان داخل اللوحة، ومعلمة تساعد الإنسان على اكتشاف إحساسه داخل الفن. وفي الحالتين هناك اهتمام بما هو مخفي خلف الشكل.

لذلك لا أراها فنانة ترسم المرأة وحسب، ولا فنانة تستعيد التراث بألوانه وزخارفه، وإنما أراها فنانة تحاول أن تمنح المرأة مساحة لتكون ذاكرة وحكاية وإحساسًا، وتستخدم اللون والثوب والإناء والمكان للوصول إلى تلك المنطقة التي يصبح فيها المرئي دليلًا على ما لا نراه.

وربما هنا تكمن قيمة تجربتها الحقيقية؛ فاللوحة عندها لا تقول لنا: “انظروا إلى هذه المرأة”،وإنما تتركنا أمام سؤال أكثر إنسانية:

ماذا تخفي هذه المرأة خلف هذا الصمت؟

وعندما نصل إلى هذا السؤال، تكون قد تجاوزت حدود الصورة، ودخلت إلى الفن الذي يهمني أكثر: الفن الذي لا يرسم ما تراه العين فقط، وإنما يحاول أن يرسم ما يشعر به القلب ولا يعرف كيف يقوله.

وفي الختام

ستفتخر المكتبة التشكيلية ذات يوم بريشة الفنانة يسرى ديب… وستعلن جدرانها، انتصارًا، لأعمالها

 

 

 

 

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الجمعة الـ 28 من آب 2026

دمشق: 1 – عرض مسرحي بعنوان “فلة والأقزام”، تقدمه فرقة عمو سعيد لمسرح الطفل والعائلة، في مسرح الخيام، الساعة الـ 5:00 عصراً. 2 – أمسية ...