آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » البشر في مواجهة «وكلاء الذكاء الاصطناعي»

البشر في مواجهة «وكلاء الذكاء الاصطناعي»

 

علي عواد

 

 

منذ دخل العالم عصر أنظمة الذكاء الاصطناعي، انهمرت وعود شركات التكنولوجيا الكبرى حول ما تستطيع هذه الأنظمة فعله، بينما على الأرض كانت التجربة في بداياتها محبِطة. تحدثت الخطابات التسويقية عن ثورة فورية ستغيّر وجه العمل، وعن مساعدين رقميين يحلّون محل البشر في مهمات معقّدة، وعن مستقبل يندمج فيه الإنسان مع الآلة.

 

لكن الواقع خلال العامين الماضيين كان يتطلب صبراً تقنياً. لم تستطع النماذج اللغوية في البداية خوض تجربة العمل المؤسسي المتكامل، ناهيك بمتطلبات الدقة القانونية والبرمجية.

 

كانت النماذج الأولى مثل GPT-4 وحتى أوائل 2025 تعاني من مشكلات في الموثوقية: نماذج تعمل أحياناً بعبقرية وتخطئ في سياقات رغم الأوامر الواضحة. كانت هذه حال معظم الأنظمة التي اعتمدت على الدردشة فقط. باختصار، لم تكن قدرات الأنظمة قد نضجت كفاية لتتوافق مع التحذيرات التي أطلقها المحللون في البداية.

 

كانت العناوين تتحدث عن «نهاية مهنة البرمجة»، بينما الشركات التي استثمرت الملايين وجدت نفسها أمام أدوات تحتاج إلى رقابة بشرية مستمرة، ما جعلها أدوات مساعدة وليست بدائل كاملة. لم تقدّم تلك الأنظمة في بدايتها قيمةً سوقيةً كافية لاعتبارها خطراً وجودياً على الوظائف المعقدة. نعم، كانت هناك حالات استخدام في كتابة المسودات وتوليد الأفكار، لكن أيّ مهمة تتطلب دقة متناهية أو عملاً متعدد الخطوات كانا يواجهان عقبات تقنية.

 

المحامون والمبرمجون والمحللون الماليون ظلوا العمود الفقري للعمليات، مستخدمين الذكاء الاصطناعي مثل محرك بحث متطور أكثر منه موظفاً مستقلاً. استمر ذلك الترقب الحذر قرابة ثلاث سنوات، من نهاية 2022 حتى بداية 2026. سنوات من خفض التوقعات، أصبح فيها المستثمرون أكثر واقعية والخبراء أكثر تركيزاً على «النتائج»، تاركين الوعود خلفهم. ثلاث سنوات ظنت السوق فيها أن الذكاء الاصطناعي ليس «سحراً».

 

زلزال «أنثروبيك»

إلى أن وصلت شركة «أنثروبيك» إلى مرحلة نضوج نموذجها «كلود». هذه الشركة التي ركّزت منذ البداية على الأمان والموثوقية بدأت في أواخر 2025 وبداية 2026 بتقديم ما يُعرف بـ«استخدام الحاسوب». النموذج اللغوي الكبير الذي اعتاد الناس التحدث معه قفز إلى مهمة جديدة مع «كلود أوبوس 4.6»: أصبح يستخدم الكومبيوتر بنفسه، وصار «وكيلاً» يفهم السياق وينفذ المهمات عبر الواجهات البرمجية والتطبيقات بشكل موثوق. والوكيل AI Agent هو توأم رقمي للمستخدم أو للموظف، يمكن الطلب منه شراء تذكرة أو الجلوس مكان موظف في شركة والعمل. ونتيجة لهذا النضج التقني، شهدت سوق الأسهم الخاصة بشركات البرمجيات التقليدية SaaS (اختصاراً لـ Software as a Service، وتعني البرمجيات كخدمة، وهو نموذج تُقدَّم فيه البرمجيات عبر الإنترنت باشتراك دوري من دون الحاجة إلى تثبيتها على الكومبيوتر أو شراء ترخيص دائم) إعادة تقييم ضخمة تبخّر معها حوالى 2 تريليون دولار من قيمتها السوقية الإجمالية.

يعني ذلك أنّ الشركات لم تنهَر، إنما حصل تحوّل في نظرة المستثمرين إلى شركات مثل «مايكروسوفت»، و«أدوبي»، و«سايلز فورس» و«سيرفس ناو»، وبدأ السؤال الجوهري: لماذا ندفع اشتراكات ضخمة لبرمجيات خدمية إذا كان الذكاء الاصطناعي يستطيع إدارة البيانات مباشرة؟

 

ما الذي جعل «كلود» وأقرانه مختلفين الآن؟

السؤال الذي يطرحه الجميع في شباط (فبراير) 2026: ما الذي تغير؟ لماذا أصبح التأثير ملموساً الآن أكثر من أي وقت مضى؟ الإجابة تكمن في عوامل تقنية نضجت:

 

أولاً: نافذة السياق الفائقة. أصبح «كلود» قادراً على معالجة ملايين البيانات دفعةً واحدةً، ما يعني أنّه يرى المشروع البرمجي كتلةً واحدة، أو العقد القانوني جزءاً من تاريخ الشركة الكامل، من دون نسيان التفاصيل. في البداية كان «كلود»، مثل بقية النماذج المنافسة، لا يستطيع التركيز على مهمة مطلوبة منه أكثر من نصف ساعة.

 

الآن يمكنه التركيز في المهمة نفسها لمدة أسبوعين. ثانياً: الوكلاء AI Agents. للمرة الأولى أصبح النموذج قادراً على قراءة شاشة الكومبيوتر، والنقر على الأزرار، واستخدام البرامج الموجودة فعلياً، ما يعني أنه يمكنه العمل مع أي برنامج صُمم للبشر.

 

ثالثاً: الموثوقية الاقتصادية. انخفضت كلفة «الاستدلال» Inference (أي مرحلة توليد الإجابة عند تفاعل النموذج مع المستخدم) إلى درجة جعلت أتمتة مهمات كاملة أرخص بكثير من توظيف كوادر للقيام بمهمات إدخال ومعالجة البيانات التقليدية.

رابعاً: الفهم المؤسسي. انتقل النموذج إلى إدارة مهمات كبيرة وممتدة، وهو ما يحوله من أداة بسيطة إلى شريك فعّال داخل الفريق.

 

ما الذي يعنيه ذلك؟

التداعيات اليوم كبيرة جداً. شركات البرمجيات التي تبيع «أدوات» أصبحت أمام منافس يقدّم «نتائج». أنظمة إدارة العملاء والموارد البشرية أصبحت قابلة للأتمتة عبر وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون مباشرة على قواعد البيانات، ما يفسّر الضغط الكبير على القيمة السوقية لشركات مثل «سايلز فورس».

 

ولتوضيح الصورة، شركة متوسطة كانت تدفع مبالغ طائلة لاشتراكات البرمجيات وتخصيصها وتدريب الموظفين عليها، تجد نفسها اليوم قادرة على استخدام وكلاء عبر واجهات برمجية تدير تفاعلات المبيعات، وتنشئ التقارير، وتتنبأ بسلوك العملاء، مع توفير يصل إلى 80 في المئة من تكاليف الاشتراكات والتشغيل التقليدية.

 

على مستوى الوظائف، يواجه المبرمجون المبتدئون، ومحللو البيانات التقليديون، ومديرو المشاريع الإدارية تغيراً جذرياً في طبيعة عملهم. العمل لم ينتهِ، إنما المهمات الروتينية داخل هذه الوظائف هي التي تلاشت. وما كان يتطلب ثلاثة مبرمجين أصبح يحتاج إلى مبرمج واحد.

بالنسبة إلى الاقتصاد، نحن أمام سباق محتدم. «أوبن إيه آي» أطلقت قدرات مشابهة، و«غوغل ديب مايند» دمجت «جيميناي» في صلب العمليات الإنتاجية. ومع وجود منافسة شرسة من النماذج الصينية المفتوحة المصدر، تتجه السوق نحو سباق لخفض كلفة الأتمتة، ما يجعل «عمالة الوكلاء الرقمية» متاحة للشركات بأسعار زهيدة.

 

أسئلة وجودية

أصبحت الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية اليوم واقعاً: كيف ستوزَّع الكفاءة الناتجة من هذه الأنظمة؟ وما مصير القوى العاملة التي تحتاج إلى إعادة تأهيل سريعة؟ وماذا عن العقد الاجتماعي الذي ربط بين العمل المكتبي والدخل؟

الاقتصاديون في 2026 يناقشون بجدية ضرائب الأتمتة وصناديق إعادة التأهيل السيادية. التغييرات تحدث بسرعة تفوق قدرة الحكومات على التكيف، ما يخلق فجوةً بين سرعة التقنية وبطء التشريع.

 

لقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة. الثورة وصلت، وهي هنا الآن، وليس أمامنا سوى خيارين: إما أن نتصدى لهذه التحديات، أو أن نشهد تفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي الذي بُني على مدى قرنين.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معبر “القاع” بين فكيّ التصنيف الورقي والقرار السوري: بوابة دولية في مهبّ “العجز اللوجستي

  لينا اسماعيل   خلف الغبار المتصاعد على طريق البقاع الشمالي، تختبئ قصة معبر حدودي وُلد “عملاقاً” على الأوراق الرسمية، وبقي “قزماً” في ميدان التجهيزات. ...