عبدالله رامي
لم تعد قضية التحرّش في رمضان هذا العام مجرد حوادث متفرقة يتداولها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى خيط يربط بين وقائع مختلفة، تمتد من الشارع إلى الشاشة، ومن الواقع إلى الدراما. ثلاث حكايات بدت منفصلة في ظاهرها، لكنها التقت جميعاً عند سؤال واحد: كيف نتعامل مع التحرش حين يصبح جزءاً من المشهد اليومي لا مجرد استثناء صادم؟!
قبل أيام من بداية شهر الصوم، تصدّرت واقعة تحرش بفتاة داخل حافلة نقل عام «التريند» في مصر، بعد تداول فيديو يوثق الاعتداء وسط صمت بعض الركاب. فتح هذا المشهد باباً واسعاً للنقاش حول شجاعة الضحية، ومسؤولية المجتمع، وحدود التدخل، وأعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة عن الأمان في الأماكن العامة، والفجوة بين القوانين الموجودة والواقع الذي تعيشه النساء يومياً. لكن اللافت أنّ هذه الموجة لم تنته مع تداول الفيديو، بل وجدت ما يغذيها ويزيد من حدة النقاش حولها مع بداية الموسم الرمضاني.
إيحاءات جنسية
في اليوم الأول من رمضان، فجّر برنامج المقالب الشهير «رامز ليفل الوحش» موجةً جديدة من الجدل، بعدما استضاف الفنانة أسماء جلال. لم يكن الخلاف حول فكرة المقلب، بقدر ما كان حول المقدمة والتعليقات المصاحبة له، إذ ركزت على جسد الضيفة باستخدام إيحاءات جنسية واضحة، اعتبرها كثيرون تحرشاً لفظياً لا يندرج تحت المزاح أو «الإفيه»، بل يقترب من الإهانة الشخصية. الهجوم على الحلقة جاء واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتجدّدت المطالبات بوقف البرنامج بدعوى احتوائه على ألفاظ غير لائقة وإساءة للمرأة، فيما ناشد أحد المحامين «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» بالتدخل استناداً إلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام الرقم 180 لعام 2018، حفاظاً على الذوق العام وحماية الأسرة المصرية.
امتدّ الجدل إلى محيط أوسع حين طالب بعض المتابعين الفنان ياسر جلال، بصفته عضواً في مجلس الشيوخ وشقيق مقدم البرنامج، بالتدخل لوضع حدّ لما وصفوه بالانفلات. كما وجهت مطالب لنقيب الممثلين أشرف زكي، باتخاذ إجراء تأديبي ضد بطلة الحلقة بسبب ما قيل على لسانها أثناء المقلب، في مشهد كشف ارتباكاً عاماً حول مَن تقع عليه المسؤولية. التحرك الأوضح جاء عبر المسار القانوني، حين أعلنت المحامية نهاد أبو القمصان، بصفتها محامية أسماء جلال، بدء اتخاذ إجراءات لمراجعة مدى مخالفة ما ورد بحق موكلتها.
وأوضحت أنّ المشاركة في التصوير تمت على أساس أنه برنامج ترفيهي قائم على المفاجأة، من دون إخطار مسبق بالمحتوى الصوتي الذي أُضيف في مرحلة المونتاج، وتضمّن عبارات تنمر وإيحاءات جسدية وشخصية. واعتبرت أنّ ما جرى يخرج عن إطار المزاح المقبول ويدخل في نطاق الإيذاء المعنوي والإساءة، مؤكدة على أنّ الظهور في عمل فني لا يعني القبول بتحويل الإنسان إلى مادة للسخرية على مستوى جسده أو صفاته الخاصة.
مؤلف كوميدي في دائرة الاهتمام!
بعد يومين فقط، انتقلت القضية من الاستوديو إلى كواليس الدراما، مع انتشار شهادات نسائية عبر حسابات موثقة على فايسبوك ضد المدعو ح. ع. أحد مؤلفي مسلسل «فخر الدلتا» (إخراج هادي بسيوني ـ بطولة أحمد رمزي). فتيات تحدثن عن تعرّضهن لتحرش من المؤلف خلال سنوات سابقة من العمل المشترك. بعضهن أشار إلى محاولاته الاعتذار لاحقاً، من دون قبول ذلك. ورغم أنّ أيّاً منهن لم يتقدّم ببلاغ رسمي، فإنّ الشركة المنتجة قررت حذف اسم المتهم من التتر «موقتاً» لحين التحقق من صحة ما يتداول.
انطلق الموسم رافعاً شعار «الحفاظ على الذوق العام»!
هذا القرار فتح نقاشاً موازياً لا يقلّ سخونةً حول المساس بالحق الأدبي لشخص لم يصدر بحقه حكم قضائي. هناك مَن رأى أنّ التحرش جريمة لا يبتّ فيها سوى القضاء، وأن إزالة الاسم إجراء عقابي خارج إطار القانون. فريق آخر اعتبر الخطوة احترازيةً في ظل حساسية الاتهامات، بينما ذهب بعضهم إلى اتهام فريق المسلسل باستغلال الموجة الدعائية لتحويل الأزمة إلى وسيلة ترويج للمسلسل.
جدل عودة تميم يونس
جاءت الحكاية الثالثة مع عودة مخرج الإعلانات تميم يونس إلى الشاشة عبر برنامج «الكاميرا الخفية»، بعد سنوات من الغياب منذ موجة شهادات في عام 2021 اتهمته بالتحرش بفتيات في مجال عمله. كما أثارت أغنيته «سالمونيلا» موجة رفض واسعة وقتها بسبب كلمات اعتبرها «المجلس القومي للمرأة» مهينةً للنساء ومحرّضة على الاعتداء والتنمر، وهي الأغنية التي أثار مطلعها «عشان تبقي تقولي لأ» موجةً كبيرة من الجدل وقتها، وزاد الجدل حينها تعقيداً مع خروج طليقته الفنانة ندى عادل للحديث عن معاناتها معه، متهمةً إياه باغتصابها زوجياً، ما أعاد فتح نقاش مسكوت عنه حول غياب الحماية القانونية للنساء في هذا النوع من الجرائم.
المفارقة أنّ اسم تميم يونس ارتبط بالتحرش بصفته متهماً وضحية في الوقت نفسه. ففي عام 2020، أعلن عن تعرّضه للتحرش في طفولته من طبيب أسنان، ضمن موجة اعترافات واسعة آنذاك.
هكذا خلال أيام قليلة من رمضان، عادت قضية التحرش إلى الواجهة في موسم بدأ رافعاً شعار «الحفاظ على الذوق العام»! لم يقتصر الجدل حول حكايات التحرش على الشاشة الصغيرة فقط، بل شهدت الساعات الأخيرة موجة متصاعدة من الشهادات التي تتهم أحد المحسوبين على الوسط الثقافي المصري (م. ط) بارتكاب وقائع تحرش واستغلال جنسي.
جاءت هذه الشهادات عبر وسم تصدر التريند في مصر بعنوان «#هل_فضحت_متحرش_اليوم» تنشر بشكل متواصل روايات جديدة ومختلفة ضده تراوح بين التحرش والاعتداء الجنسي، وصولاً إلى الاغتصاب والاستغلال النفسي، في سياق يكشف عن اتساع دائرة الإفصاح وكسر حاجز الصمت لدى الضحايا.
الجدل الدائر يطرح أسئلة حول كيفية تناول هذه القضايا إعلامياً: هل صار «التريند» بديلاً من التحقيق الفعلي في الاتهامات؟ هذا الموسم الرمضاني يؤكد على أنّ معركة التحرش لم تعد في الشارع أو «الأوتوبيس» وحده، بل صارت معركة على الشاشة أيضاً.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
