عبد الرحمن أياس
مع افتتاح الأسواق النفطية صباح الإثنين، ليس السؤال سياسياً بقدر ما هو عملي: هل تحوّل إغلاق مضيق هرمز إلى انقطاع شامل ومستدام للتدفقات، أم أننا أمام تعطيل واسع للحركة البحرية من دون توقف كامل ومؤكد؟ الفارق بين الحالتين يحدد مسار الأسعار في الساعات الأولى من التداول.
يمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط وسوائل الطاقة، أي ما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي الذي يناهز 100 مليون برميل يومياً، كما يمثل أكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية. هذا الرقم وحده يفسر حساسية السوق المفرطة تجاه أي تطور في هذه البقعة الجغرافية الضيقة. ليس المضيق ممراً لإيران وحدها، بل شريان صادرات السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق، أي قلب تجارة النفط العالمية.
إيران أغلقت المضيق عملياً، وأصدرت إشارات واتخذت إجراءات – تشمل استهداف ناقلات عابرة باعتداءات – أدت إلى تعطيل واسع للحركة البحرية، فيما علّق بعض المتعاملين ومشغلي الناقلات شحنات أو أبطأوا رحلاتهم عبره، وأمرت شركات شحن سفنها بالانتظار في مناطق أكثر أماناً. كذلك أعادت شركات التأمين تسعير وثائق “مخاطر الحرب”، ما رفع تكلفة الرحلات في شكل ملحوظ.
هذه التطورات تعني أن الاضطراب بات فعلياً في سلوك السوق، حتى لو لم تتوافر بعد صورة نهائية عن حجم الانخفاض الفعلي في التدفقات اليومية.
ويزداد وزن العامل اللوجستي إذا تزامن تعطيل هرمز مع استمرار هشاشة الملاحة في البحر الأحمر. لقد دفعت التوترات في باب المندب خلال السنتين الماضيتين شركات شحن كبرى إلى تقليص المرور عبر قناة السويس والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما أضاف عادةً ما بين أسبوع إلى أسبوعين إلى زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا، ورفع تكاليف الشحن والتأمين. وإذا تجدد هذا النمط أو اتسع نطاقه، فإن البراميل البديلة – حتى إذا كانت متاحة من خارج الخليج – قد تصل إلى الأسواق في صورة أبطأ وأعلى تكلفة، ما يضخم أثر الأزمة في أسعار المنتجات النفطية وسلاسل الإمداد، وليس فقط في سعر الخام نفسه
غير أن السوق تميّز بين “الإقفال المعلن” و”الانقطاع الشامل”. إذا بقي العبور ممكناً ولو في شكل متقطع أو وفق ترتيبات خاصة، قد تتباطأ التدفقات لكنها لن تنخفض إلى الصفر. أما إذا تحوّل الوضع إلى منع فعلي ومستدام لحركة السفن، بما يؤدي إلى تراجع الكميات المارة بواقع عدة ملايين برميل يومياً لفترة ممتدة، ستنتقل السوق من “تسعير الخوف” إلى “تسعير الندرة”.
في المرحلة الأولى، من المرجح أن ترتفع الأسعار بقوة نتيجة ما يُعرَف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”. هذه العلاوة تعكس احتمال تعطل الإمدادات، لا تحقُّق التعطل بالكامل. ويكفي أن تتباطأ حركة بضعة ملايين برميل يومياً، أو أن ترتفع تكاليف الشحن والتأمين في شكل حاد، لتشعر السوق بضغط ملموس؛ فالنفط سلعة تُسعَّر على أساس التسليم، وأي احتكاك لوجستي يُترجَم فوراً في العقود الآجلة.
في المقابل، ثمة عناصر توازن لا يمكن تجاهلها. تملك دول “أوبك+” طاقات إنتاجية فائضة تُقدَّر بعدة ملايين برميل يومياً، يمكن ضخ جزء منها سريعاً إذا اقتضت الحاجة. كذلك تحتفظ الدول الصناعية بمخزونات استراتيجية ضخمة يمكن السحب منها مرحلياً لمواجهة أي نقص طارئ. إضافة إلى ذلك، تملك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تسمح بتصدير جزء من إنتاجهما بعيداً عن مضيق هرمز، غير أن التقديرات تشير إلى أن القدرة المتاحة فعلياً لتجاوز المضيق عبر هذه المسارات لا تتجاوز حدود مليوني إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً، أي أقل بكثير من إجمالي التدفقات التي تمر عادة عبر المضيق.
لذلك فالمسألة لا تُختزَل في معادلة حسابية بسيطة تقول إن تعطيل نسبة من الإمدادات يرفع الأسعار بنسبة مماثلة أو أكبر. تسعّر السوق الاحتمال والمدة وإمكانية التعويض، لا الرقم النظري وحده. أما الطلب العالمي نفسه فيتفاعل مع الأسعار؛ كل قفزة حادة تدفع إلى قدر من الترشيد والانكماش، ما يحدّ من استمرار الارتفاعات المفرطة.
إذا بقي التعطيل واسعاً لكن غير شامل أو قريب الأجل، قد تنحصر الصدمة في قفزة سعرية قوية لكن قابلة للاحتواء. أما إذا تبيّن أن الانقطاع شامل ومستدام، إذ تفقد السوق جزءاً كبيراً من نحو 20 مليون برميل تمر يومياً عبر المضيق، فإننا نكون أمام مرحلة مختلفة بالكامل، قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير وتعيد شبح أزمة طاقة عالمية.
بين الإعلان السياسي والواقع اللوجستي، يتحرك برميل النفط. والسوق، بطبيعتها الباردة، لن تحكم على النيات، بل على الأرقام: كم برميلاً توقّف مروره فعلاً، وكم يوماً سيستمر ذلك.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
