آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » خريجو السياحة.. أين تكمن الفجوة بين الدراسة وسوق العمل؟

خريجو السياحة.. أين تكمن الفجوة بين الدراسة وسوق العمل؟

خلال فعالية «عينك على اختصاصك» التي سبقت تسجيل الطلاب في مفاضلة العام الدراسي 2025 – 2026، لفت الانتباه الإقبال الكبير على كلية السياحة مقارنة بالسنوات السابقة، فقد بدت الكلية خياراً جاذباً للطلاب الذين رأوا فيها اختصاصاً عملياً يجمع بين اللغات الأجنبية والعلوم الاقتصادية السياحية والتدريب الفندقي والسفر، مع وعود بفرص عمل تمتد من شركات السياحة إلى الفنادق وتنظيم الفعاليات.

إلا أنّ الواقع العملي لا يعكس دائماً هذه التوقّعات، إذ يواجه الخريجون سوق عمل أكثر تعقيداً ممّا كان متوقّعاً، فقد أثّرت سنوات الحرب بشكل مباشر في القطّاع السياحي، مع تراجع أعداد السيّاح وانكماش نشاط العديد من المنشآت لأسباب أمنية واقتصادية، ما جعل إيجاد فرصة عمل بعد التخرّج تحدّياً حقيقياً أمام كثير من الخريجين، رغم الطبيعة التطبيقية للاختصاص.

واليوم يعود ملف خريجي السياحة إلى الواجهة مع توجيه وزير السياحة مازن الصالحاني بتأمين فرص عمل للمتفوقين والخريجين، وتوطين مهاراتهم واستثمارها ضمن سوق العمل السياحي المحلي، بالتزامن مع الحديث عن إطلاق منشآت سياحية جديدة خلال المرحلة الحالية والقادمة، والتي تحتاج إلى كوادر أكاديمية متخصّصة سواء في القطّاع السياحي أو القطّاعات المرتبطة به.

بين الدراسة وسوق العمل

لامس هذا التوجيه تطلّعات طلاب كلية السياحة، لكنه لم يلغ الأسئلة القائمة حول آليات التطبيق الفعلي على أرض الواقع، وفي هذا السياق، بيّنت نسرين عكاري، الطالبة في السنة الثالثة، لصحيفة «الثورة السورية» أنّ الدراسة الجامعية تمنح أساساً معرفياً مهمّاً، لكنّها لا تكفي وحدها لدخول سوق العمل.

وأشارت إلى وجود فارق واضح بين الجانب النظري والتطبيق العملي، موضّحة أنّها تعمل على تطوير مهاراتها خارج الكلية من خلال تعلّم اللغات الأجنبية والتدرّب في أحد الفنادق دون أجر بهدف اكتساب الخبرة المطلوبة.

في المقابل، يوضّح أنس متري، وهو خريج منذ عام، أنّه لم يتمكّن حتى الآن من إيجاد عمل مناسب، بسبب اشتراط معظم فرص العمل وجود خبرة مسبقة لعدّة سنوات، ويرى أنّ هذا الشرط يشكّل عائقاً أساسياً أمام الخريجين الجدد، لافتاً إلى أنّ فرص توظيف الإناث تبدو في بعض الأحيان أكثر حضوراً من فرص الشباب، خاصّة في مجالات العمل الفندقي والخدمات السياحية.

ما رأي السوق؟

من جهة أخرى، يقدّم أصحاب المنشآت السياحية رؤية مختلفة لواقع سوق العمل، فوفقاً لما ذكره كميل الصباغ، صاحب فندق في باب توما، فإنّ هناك نقصاً كبيراً في الموظّفين الأكفاء داخل سوريا، مشيراً إلى أنّه لا يذكر أنّ خريجاً واحداً من كليات السياحة تقدّم للعمل لدى فندقه، وأضاف أنّ غالبية الطلاب بعد التخرّج يغادرون البلاد أو يجدون صعوبة في الاستقرار في سوق العمل المحلي.

وأكّد الصباغ أنّ الفنادق لا تعتمد على التفوّق الأكاديمي عند التوظيف، وإنّما تبقى الخبرة العملية هي المعيار الأساسي، موضّحاً أنّ لكلّ فندق برامجه الخاصّة وطريقة عمله، وبالتالي يحتاج الخريجون إلى تدريب عملي متمكّن في أقسام الاستقبال وغيرها من الأقسام قبل القدرة على العمل بشكل فعلي.

أما المتطلّبات الأساسية للتوظيف الناجح والمستدام، فيرى الصباغ أنّها تشمل الرغبة الحقيقية في العمل والقدرة على تحمّل المسؤولية، إلى جانب المهارات التنظيمية والتدريبية التي ينبغي أن يحصل عليها الخريج سواء من الكلية أو من المعاهد السياحية، مشيراً إلى أنّ العديد من الخريجين يحملون شهادات أكاديمية دون امتلاك الخبرة الكافية، ما يضعف جاهزيتهم التشغيلية.

وفي الوقت ذاته، أكّد الصباغ أنّه في حال امتلاك الطالب الخريج حديثاً للخبرة الكافية، سواء من الكلية أو المعهد، يمكن تشغيله بكفاءة، كما أنّ القطّاع الفندقي قادر على استيعاب جميع الخريجين.

وشدّد على أنّ سبب النقص الحالي في الكوادر لا يعود إلى محدودية فرص العمل، بل إلى ضعف الخبرة التطبيقية لدى الخريجين، منوّهاً بأنّ التوجيه الرسمي بتأمين فرص العمل للخريجين، إذا طُبّق ضمن آليات واضحة، سينعكس إيجاباً على مستوى الخدمات السياحية.

بطاقة العمل السياحي

وفي قراءة رسمية للتحدّيات التي يواجهها القطّاع، أوضح مدير القياس والجودة في وزارة السياحة المهندس زياد البلخي أنّ توجيه وزير السياحة بتأمين فرص عمل للمتفوقين وخريجي الكليات والمعاهد والثانويات السياحية يأتي في إطار تطوير القطّاع السياحي.

وأشار إلى أنّ هذا التوجه يستند إلى القانون رقم 23 لعام 2022، الذي نصّ على التزام المنشآت السياحية بتوظيف نسبة تحدّدها وزارة السياحة من خريجي قطّاع التعليم والتدريب السياحي.

وبما أنّ هذه النسبة متغيّرة، فهي تخضع لتوفر المورد البشري المدرب في سوق العمل، الأمر الذي يصبّ في مصلحة رفع جودة الخدمات السياحية بشكل مباشر، ويشجع الشباب على الحصول على التدريب والتأهيل المهني والعلمي في مجال السياحة لضمان وجود فرصة عمل مباشرة.

ومن جهة أخرى، أشار البلخي إلى أنّ وزارة السياحة تعمل حالياً على مشروع «بطاقة العمل السياحي» للعاملين في المنشآت السياحية، بهدف التأكّد من أنّ العاملين الموجودين في سوق العمل يمتلكون التأهيل المناسب، مع توفير دورات تدريبية مكثّفة لمن يحتاج إلى رفع مستوى كفاءته.

وفي هذا الإطار، سيتمّ فحص العاملين في منشآت الإقامة مثل الفنادق، ومنشآت الإطعام مثل المطاعم والمقاهي، من قبل لجان مختصة في مختلف المحافظات، بهدف ضبط مستوى جودة الخدمات وتوفير قاعدة بيانات للعاملين، بما يدعم اتخاذ القرارات المتعلّقة بتوفير برامج التأهيل والتدريب المناسبة.

الجودة أولاً

وفيما يتعلّق بمعايير الجودة، يرى البلخي أنّ المورد البشري المدرب بطبيعته سيكون أكثر تأهيلاً من العامل غير المدرب، مع احترام الخبرات المتراكمة للعاملين في القطّاع، إلا أنّ رفع معايير الجودة وتحقيق الاستدامة في الخدمات السياحية يتطلّب مواكبة التطوّرات المهنية في هذا القطّاع، خاصة أنّ السياحة تعدّ من القطّاعات التي تشهد تطوّراً مستمراً على المستوى العالمي.

وأشار إلى أنّ الهدف هو أن تكون الخدمات السياحية المقدّمة ضمن مستوى توقّعات السائح، خصوصاً بعد التحرير وبداية انفتاح سوريا لاستقبال السياح من مختلف أنحاء العالم.

أما فيما يتعلّق بالفجوة بين التعليم وسوق العمل، فيؤكّد البلخي أنّ مشروع «بطاقة العمل السياحي» سيكون له دور مهم في رصد هذه الفجوات، مشيراً إلى أنّ هذا الأمر يتطلّب مقاربات واقعية مبنية على طبيعة العمل المهني في المنشآت السياحية.

وأوضح أنّ التدريب والتأهيل المهني إذا كان منفصلاً عن الواقع التشغيلي للمنشآت السياحية، فسيؤدي إلى تخريج كوادر غير قادرة على الحصول على فرص عمل حقيقية.

ومن هنا، يشير البلخي إلى أنّ تطبيق القانون رقم 23 لعام 2022 لا يمكن أن يكون منفصلاً عن واقع السوق، إذ إنّ تطبيق القانون دون مراعاة احتياجات المنشآت السياحية قد يشكّل عبئاً عليها ويؤدي إلى زيادة التكاليف وارتفاع الأسعار دون تحقيق الجودة المطلوبة.

لذلك، لم تسع الوزارة إلى رفع نسبة الخريجين التي تلتزم المنشآت السياحية بتوظيفها إلا بعد إجراء الدراسات والمقاربات اللازمة، وهو ما يندرج ضمن استراتيجية الوزارة لتطوير القطّاع السياحي.

محاور التطوير

وفي إطار قياس نتائج تطوير القطّاع السياحي، يوضّح البلخي أنّ هذا التطوير يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية هي الاستثمار السياحي، والترويج السياحي، وتطوير المورد البشري.

ويؤكّد أنّ هذه المحاور يجب أن تسير بشكل متوازن، فالدعوة للاستثمار يجب أن تترافق مع ترويج سياحي مناسب للاستثمارات المتوفّرة من بنى تحتية تشمل الفنادق والمطاعم.

كما أنّ الاستثمارات السياحية لا يمكن أن تدخل مرحلة التشغيل دون توفّر الكوادر البشرية المؤهلة والمدرّبة، ما يبرز أهمية التدريب والتأهيل وربطهما باحتياجات سوق العمل.

وبناءً على ذلك، يتم قياس مخرجات هذا المسار من خلال ارتفاع نسبة تشغيل الكوادر المؤهلة في المنشآت السياحية، بحيث يكون تطبيق القانون ناتجاً عن واقع العمل التشغيلي، عبر تطوير مناهج وبرامج تدريب مرتبطة بشكل مباشر باحتياجات السوق.

ويبين واقع القطّاع السياحي اليوم أنّ تأمين فرص العمل لخريجي السياحة يمثّل خطوة مهمّة لربط التعليم الجامعي بالتطبيق العملي، ودعم الشباب في بداية مسيرتهم المهنية، كما يسهم ذلك في تعزيز كفاءة المنشآت السياحية وإعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلّبات السوق المحلي والعالمي، بما يدعم تطوير هذا القطّاع في المرحلة المقبلة.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا تشارك للمرة الأولى بعد التحرير في معرض برلين الدولي للسياحة والسفر

شاركت سوريا للمرة الأولى بعد التحرير في معرض برلين الدولي للسياحة والسفر ITB بنسخته الستين في ألمانيا، عبر جناح يضم وزارة السياحة وعدداً من شركات السياحة والسفر ...