في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تتزايد المخاوف داخل العراق من تداعيات أمنية قد تعيد البلاد إلى دائرة التهديدات الإرهابية وعدم الاستقرار. فمع دخول بعض الفصائل المسلحة العراقية على خط المواجهة الإقليمية، وتنفيذها هجمات متفرقة ضد أهداف ومصالح أميركية وأجنبية داخل الأراضي العراقية، تتعاظم التحذيرات الأمنية من احتمال استغلال التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم “داعش”، حالة الانشغال الأمني والسياسي لإعادة ترتيب صفوفها وتنشيط تحركاتها في عدد من المناطق التي شهدت سابقاً نشاطاً مكثفاً لتلك التنظيمات.
ويرى خبراء ومختصون في الشأن الأمني أن الظروف الحالية تمثل بيئة معقدة قد توفر فرصاً للتنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها فلول “داعش”، لمحاولة إعادة التموضع في بعض المناطق الرخوة أمنياً، ولا سيما في المناطق الممتدة بين المحافظات الشمالية والغربية من البلاد. وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه الأجهزة الأمنية العراقية تحديات متعددة، تبدأ بضبط التوازن الأمني الداخلي، مروراً بمتابعة التهديدات الناجمة عن الصراع الإقليمي، وصولاً إلى تأمين المصالح الأجنبية والبعثات الديبلوماسية التي باتت أهدافاً محتملة في ظل تصاعد التوترات.
مخاوف من فراغات أمنية موقتة
يشير مراقبون إلى أن تصاعد العمليات التي تستهدف المصالح الأميركية، إلى جانب التوتر السياسي والأمني الداخلي، قد يخلق فراغات أمنية موقتة في بعض المناطق، وهو ما قد تسعى التنظيمات الإرهابية إلى استغلاله لإعادة بناء شبكاتها اللوجستية وتكثيف عملياتها، سواء عبر الهجمات المحدودة أو من خلال تنشيط خلايا نائمة. ويؤكد هؤلاء أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن التنظيمات المتطرفة غالباً ما تستغل فترات الاضطراب السياسي والأمني لإعادة الظهور، وهو ما يتطلب جهداً استخبارياً وأمنياً مضاعفاً لمنع تكرار سيناريوات سابقة.
رفع الجاهزية الأمنية ومراقبة تحركات “داعش”
ويقول مصدر عسكري مسؤول في قيادة العمليات المشتركة العراقية، لـ”النهار”، إن “القيادات الأمنية والعسكرية رفعت مستوى الجاهزية والإنذار في مختلف القطعات، تحسباً لأي محاولات قد تقوم بها التنظيمات الإرهابية لاستغلال الانشغال الأمني الناتج من التوترات الإقليمية والصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فالظروف التي تمر بها المنطقة غالباً ما تسعى التنظيمات المتطرفة إلى استغلالها لإعادة تنشيط خلاياها أو تنفيذ هجمات محدودة في مناطق مختلفة”.
ويضيف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن “الأجهزة الاستخبارية تتابع بشكل مستمر تحركات فلول داعش، خصوصاً في المناطق التي تُعد تاريخياً من مناطق النشاط المتبقي للتنظيم، مثل بعض المناطق الواقعة بين المحافظات الشمالية والغربية. وقد نجحت القوات الأمنية خلال الفترة الماضية في تنفيذ عمليات استباقية أسفرت عن تفكيك عدد من الخلايا الإرهابية وإحباط مخططات كانت تستهدف زعزعة الأمن”.
ويشير إلى أن “القوات المسلحة العراقية قادرة على التعامل مع أي تهديد أمني، سواء كان مرتبطاً بالوضع الداخلي أو بالتداعيات الإقليمية. وهناك تنسيق عالٍ بين مختلف صنوف القوات الأمنية، بما في ذلك الجيش والشرطة الاتحادية والأجهزة الاستخبارية، لضمان عدم السماح بعودة النشاط الإرهابي أو استغلال الظروف الحالية”.
ويؤكد المصدر أن “التصعيد الإقليمي وما رافقه من عمليات تستهدف مصالح أجنبية داخل العراق فرض تحديات أمنية إضافية، إلا أن القوات العراقية تعمل على موازنة الجهد الأمني بين حماية الاستقرار الداخلي وملاحقة بقايا التنظيمات الإرهابية، والهدف الأساسي هو منع أي فراغ أمني يمكن أن تستغله الجماعات المتطرفة”.
ويشير المسؤول العسكري إلى أن “العراق يمتلك اليوم خبرة أمنية وعسكرية كبيرة في مواجهة الإرهاب، وأن المرحلة الحالية تتطلب المزيد من اليقظة والتنسيق الأمني، خصوصاً في ظل الأوضاع الإقليمية المعقدة، لضمان حماية الأمن الوطني ومنع أي محاولة لعودة النشاط الإرهابي تحت أي ظرف”.
فرصة للمتطرفين
من جهته، يقول الخبير في الشؤون الأمنية اللواء جواد الدهلكي، لـ”النهار”، إنه “يجب الحذر من خطورة المرحلة الحالية التي يمر بها العراق، فتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة قد يخلق بيئة أمنية معقدة يمكن أن تستغلها التنظيمات الإرهابية لإعادة تنشيط تحركاتها وتهديد الاستقرار الداخلي”.
ويؤكد الدهلكي أن “التطورات المتسارعة المرتبطة بالصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى دخول بعض الفصائل المسلحة العراقية على خط المواجهة، تضع العراق أمام تحديات أمنية كبيرة، خصوصاً إذا ترافقت مع انشغال القوات الأمنية بمتابعة تداعيات هذا التصعيد”.
ويشير إلى أن “التجارب السابقة في المنطقة، وفي العراق تحديداً، أثبتت أن التنظيمات المتطرفة غالباً ما تستغل فترات التوتر السياسي والعسكري لإعادة تنظيم صفوفها أو تنشيط خلاياها النائمة. وفلول داعش لا تزال موجودة في بعض المناطق النائية والصحراوية، وهي تنتظر أي فرصة أو ثغرة أمنية للتحرك وتنفيذ عمليات تهدف إلى إرباك الوضع الأمني”.
ويضيف أن “التصعيد العسكري واستهداف المصالح الأجنبية داخل العراق قد يؤدي إلى تشتيت الجهد الأمني في أكثر من اتجاه، وهو ما قد يخلق فجوات أمنية مؤقتة في بعض المناطق، ولا سيما في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة أو التي تمتد بين أكثر من محافظة. وهذه الظروف قد تمنح التنظيمات الإرهابية فرصة لإعادة بناء شبكاتها اللوجستية أو تنفيذ عمليات نوعية لإثبات وجودها”.
ويحذر الدهلكي من أن “الخطر لا يكمن فقط في احتمال عودة العمليات الإرهابية، بل أيضاً في إمكانية استغلال الجماعات المتطرفة لحالة التوتر الشعبي والسياسي، والتوظيف الدعائي للأحداث الإقليمية لتجنيد عناصر جديدة أو إعادة تحريك بعض الخلايا. فالمرحلة الحالية تتطلب يقظة استخبارية عالية وتكثيف العمليات الاستباقية لمنع أي محاولات لإعادة إنتاج التهديد الإرهابي”.
ويشدد الخبير في الشؤون الأمنية على أن “على الجهات الأمنية والحكومية التركيز على تحصين الجبهة الداخلية، وعدم السماح بتحويل العراق إلى ساحة صراع مفتوح لتصفية الحسابات الإقليمية. فحماية الاستقرار الداخلي يجب أن تبقى أولوية قصوى، لأن أي تراجع في مستوى الاستقرار الأمني قد يمنح التنظيمات الإرهابية فرصة خطيرة للعودة إلى الواجهة بعد سنوات من تراجع نفوذها”.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
