بقلم: المهندس محمود محمد صقر
بعد قراءتي لمقال الدكتور محمد حبش حول مؤتمر السلم الأهلي في سوريا، وجدتُ نفسي أفكر في سؤال مختلف قليلاً عن الأسئلة التي طُرحت في المؤتمر نفسه.
فالمشكلة لم تعد بالنسبة لي في كيفية مواجهة خطاب الكراهية فقط، ولا في كيفية تعزيز الحوار بين مكونات المجتمع فحسب، بل في سؤال أعمق من ذلك كله:
كيف وصلنا أصلاً إلى مرحلة أصبح فيها السلم الأهلي قضية تحتاج إلى مؤتمرات وندوات ومبادرات؟
فالإنسان منذ فجر التاريخ لم يكن يبحث عن الرفاهية أولاً، بل عن الأمان.
وكانت القبائل تتجمع بحثاً عن الأمان، والمدن تُبنى بحثاً عن الأمان، والدول تنشأ بحثاً عن الأمان.
لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن الشعور بالأمان لا يولد دائماً من القوة وحدها.
فالقوة تستطيع أن تمنع الفوضى لفترة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الثقة.
ولهذا فإن المجتمعات لا تنهار يوم تختلف، بل قد تبدأ بالتآكل يوم تفقد قدرتها على الثقة ببعضها بعضاً.
وقد لا يكون أخطر ما تتركه الحروب هو الدمار الذي يصيب الحجر، بل ما تتركه من ندوب خفية داخل النفوس والذاكرة الجمعية.
فالمباني يمكن إعادة بنائها، والطرق يمكن إصلاحها، والمؤسسات يمكن إعادة تنظيمها.
أما الثقة، إذا اهتزت، فإن استعادتها تصبح من أصعب المهمات التي تواجه أي مجتمع.
ولعل السؤال الذي يستحق التأمل هنا:
هل كانت المشكلة في التنوع؟
أم في غياب الصيغة التي تجعل التنوع يشعر بالأمان؟
فالتنوع لم يكن يوماً ظاهرة استثنائية في سوريا ولا في الشرق الأوسط.
لقد عاشت هذه المنطقة عبر قرون طويلة وهي تضم قوميات وأدياناً ومذاهب وثقافات متعددة.
وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر غنى حضاري وإنساني كبير.
لكن المشكلة تظهر حين يشعر أي طرف أن أمنه مرتبط بضعف الطرف الآخر، أو أن مستقبله لا يتحقق إلا من خلال السيطرة عليه.
عندها يتحول التنوع من مصدر قوة إلى مصدر قلق.
وتتحول الهويات الطبيعية إلى خطوط تماس نفسية واجتماعية غير مرئية.
ومع مرور الزمن تتراكم المخاوف، وتكبر الشكوك، وتصبح الذاكرة مثقلة بالهواجس أكثر من امتلائها بالآمال.
وهنا يبدأ المجتمع بالدخول في دائرة معقدة:
الأقلية تخاف من الأكثرية، والأكثرية تخاف من فقدان دورها، والسلطة تخاف من المجتمع، والمجتمع يخاف من السلطة، ويصبح الجميع يبحث عن ضمانات خارج إطار الثقة المتبادلة.
وفي مثل هذه الحالات لا تعود المشكلة في الأشخاص أنفسهم، بل في غياب الصيغة القادرة على طمأنة الجميع.
الصيغة التي تجعل القانون أقوى من الخوف، والمواطنة أوسع من الانتماءات الضيقة، والمؤسسات أكثر استقراراً من تقلبات السياسة.
فالدول الحديثة لم تُبنَ لأن الناس أصبحوا متشابهين، بل لأنها وجدت آليات تسمح للمختلفين بأن يعيشوا معاً دون خوف.
ولعل أحد أهم دروس التاريخ أن المجتمعات لا تستقر حين ينتصر طرف على طرف، بل حين يشعر الجميع أن مستقبلهم أصبح محمياً بقواعد عادلة وواضحة.
ومن هنا فإن السلم الأهلي لا يبدأ من المؤتمرات وحدها، ولا من البيانات وحدها، ولا من الخطابات وحدها.
بل يبدأ من إعادة بناء الثقة.
الثقة بين المواطن والدولة.
والثقة بين المؤسسات والمجتمع.
والثقة بين مكونات المجتمع نفسها.
فالمجتمع المرتاب مجتمع متعب، حتى لو امتلك الموارد.
أما المجتمع الواثق بنفسه، فهو قادر على النهوض حتى في أصعب الظروف.
ولهذا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ فقط بإعادة بناء الأبنية والطرقات والجسور.
بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان.
إعادة بناء ثقته بنفسه، وثقته بمؤسساته، وثقته بشركائه في الوطن.
فالحجر يمكن أن يُعاد بناؤه خلال سنوات.
أما الثقة…
فقد تحتاج إلى جيل كامل كي تعود.
ولعل هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم، وهو التحدي الذي سيحدد شكل المستقبل أكثر من أي مشروع أو استثمار أو خطة اقتصادية.
لأن المال يمكن أن يبني مشروعاً،
أما الثقة…
فهي التي تبني وطناً لأجيال تبني أملاً من تاريخ قريب
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
