مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية -الإيرانية، وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، عادت الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية إلى الواجهة باعتبارها أحد أهم أدوات الطوارئ التي تملكها الدول الكبرى لاحتواء اضطرابات أسواق الطاقة.
فالتصعيد العسكري في الخليج، والهجمات على ناقلات النفط، وإعلان عدد من شركات الطاقة حالة “القوة القاهرة”، دفعت الأسواق إلى موجة تقلبات حادة رفعت الأسعار إلى مستويات قاربت 120 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع لاحقاً، وسط مخاوف من تحوّل الأزمة إلى صدمة طاقة عالمية.
وفي ظل هذه التطورات، بدأت الدول الصناعية الكبرى دراسة خيار السحب من احتياطيات النفط الاستراتيجية كوسيلة لتهدئة الأسواق ومنع انفلات الأسعار، في وقت تحذر فيه طهران من احتمال وصول سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل إذا استمرت الحرب، واتسعت تداعياتها.
الأسواق على حافة الصدمة
وشهدت أسواق الطاقة خلال الأيام الماضية تقلبات غير مسبوقة نتيجة التطورات العسكرية في الشرق الأوسط، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية.
وتزامن التصعيد العسكري مع عوامل ضغط إضافية على السوق، من بينها تعطل حركة مئات الناقلات داخل الخليج وخارجه، وإعلان شركات طاقة خليجية حالة القوة القاهرة بعد استهداف منشآت نفطية، وخفض الإنتاج في بعض الحقول الخليجية نتيجة اضطراب الشحنات.
وبحسب تقديرات محللين في قطاع الطاقة، فإن الحرب خفضت بالفعل إمدادات النفط العالمية بنحو 200 مليون برميل خلال أيام قليلة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنحو 40 % منذ نهاية شباط قبل أن تعود للتراجع جزئياً.
مخزون طوارئ للدول الصناعية
الاحتياطي النفطي الاستراتيجي هو مخزون من النفط تحتفظ به الحكومات أو تفرض على الشركات الاحتفاظ به لمواجهة الأزمات الكبرى، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية، أو الانقطاعات المفاجئة في الإمدادات.
وتقوم فكرة هذه المخزونات على توفير هامش أمان مؤقت يسمح للدول بتلبية احتياجاتها الأساسية من الطاقة إلى حين استقرار السوق، أو إيجاد مصادر بديلة.
وتملك الدول الصناعية كميات ضخمة من هذه الاحتياطيات، من أبرزها الولايات المتحدة نحو 415 مليون برميل، والصين نحو 900 مليون برميل، واليابان نحو 260 مليون برميل، وألمانيا نحو 145 مليون برميل، وفرنسا نحو 122 مليون برميل.
وفي الولايات المتحدة، يخزن النفط في كهوف ملحية ضخمة في ولايتي تكساس ولويزيانا، وتبلغ السعة القصوى للمخزون نحو 714 مليون برميل، إلا أن السحب الكبير الذي جرى خلال أزمة الطاقة عام 2022 خفضه إلى أقل من 60 % من طاقته القصوى.
نقاش دولي حول استخدام المخزون
مع تصاعد التوتر في المنطقة، عقد وزراء الطاقة والمالية في مجموعة السبع اجتماعات طارئة بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية لبحث سبل مواجهة اضطرابات السوق.
وأكدت المجموعة دعمها المبدئي لاتخاذ إجراءات استباقية، بما في ذلك استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية إذا اقتضت الضرورة، مع إبقاء الأسواق تحت المراقبة المستمرة.
كما تدرس وكالة الطاقة الدولية تنفيذ أكبر عملية سحب من المخزونات في تاريخها قد تتجاوز 182 مليون برميل، في محاولة لخفض الأسعار، وتهدئة الأسواق العالمية.
وفي موازاة ذلك، أعلنت ألمانيا أمس الأربعاء استعدادها لاستخدام جزء من احتياطياتها النفطية، فيما قررت اليابان البدء بالإفراج عن مخزوناتها اعتباراً من منتصف الشهر الجاري، أما الولايات المتحدة فتبحث ترتيب مبيعات من احتياطيها النفطي بالتنسيق مع دول أخرى.
ويأتي هذا التحرك في ظل امتلاك الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية أكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات الحكومية، إضافة إلى 600 مليون برميل من المخزونات التجارية الإلزامية.
أداة لتهدئة الأسواق.. وليست حلاً دائماً
ويرى خبراء الطاقة أن استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية يمكن أن يهدئ الأسواق جزئياً، لأنه يضيف براميل إضافية إلى السوق، ويوجه إشارة سياسية بأن الدول الكبرى مستعدة للتدخل لمنع انفلات الأسعار.
ويشير الخبراء إلى أن هذه المخزونات تُستخدم عادة عندما تتعرض الإمدادات لخطر مباشر، مثل إغلاق الممرات البحرية أو تضرر منشآت الإنتاج، حيث تمثل “متنفساً مؤقتاً” يسمح بامتصاص الصدمة الأولى، لكن هذا التأثير يبقى محدوداً زمنياً، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يملكان مجتمعين نحو 1.6 مليار برميل من الاحتياطيات، وهي كمية تكفي، وفق معدلات الاستهلاك الحالية، لنحو 25 يوماً فقط.
الحرب تتحول إلى استنزاف يهدد أمن الطاقة
وفي موازاة الاضطرابات الاقتصادية، توضح تقارير استراتيجية أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى دخلت مرحلة استنزاف طويلة.
ووفق تقرير صادر عن مركز الخليج للأبحاث، فإن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل بات يشكل ضغطاً مباشراً على أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة في الخليج.
وتكمن خطورة الوضع في أن تعطيل حركة العبور في مضيق هرمز لا يتطلب إغلاقاً رسمياً، إذ يكفي رفع مستوى المخاطر والهجمات على السفن لإبطاء حركة التجارة، وزيادة تكاليف التأمين والشحن.
بين “تهدئة مؤقتة” واحتمال صدمة عالمية
ورغم أن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية قد يخفف الضغط عن الأسواق لفترة محدودة، إلا أن معظم الخبراء يرون أن مستقبل الأسعار سيظل مرتبطاً بمسار الحرب نفسها.
فالعالم يستهلك حالياً نحو 100 مليون برميل يومياً، ما يعني أن أي تعطيل طويل الأمد لتدفقات النفط من منطقة الخليج قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية تتجاوز قدرة المخزونات الاستراتيجية على التعويض.
ولهذا تبدو هذه الاحتياطيات، في لحظة التوتر الحالية، أقرب إلى “سلاح الملاذ الأخير” الذي تستخدمه الدول الكبرى لكسب الوقت واحتواء الصدمة الأولى، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات العسكرية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لأمن الطاقة العالمي.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
