د. سلمان ريا
الصراع حول إيران لا يمكن فهمه ضمن النماذج التقليدية للحروب؛ فهو ليس غزوًا مباشرًا ولا مواجهة شاملة بين جيوش نظامية، بل نمط مركب من الضغط المتدرج، تتداخل فيه الضربات العسكرية المحدودة مع العمليات الاستخباراتية والرسائل السياسية ومحاولات التأثير الداخلي. الهدف ليس حسمًا سريعًا، بل إعادة رسم موازين القوى وفرض وقائع جديدة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
تصريحات دونالد ترامب تبدو متقلبة، إذ يجمع بين التأكيد على قرب نهاية الحرب والتلويح بالتصعيد، مع رفض خوض صراع طويل. هذا التناقض يعكس في جوهره مقاربة تجمع بين الضغط والتفاوض، والسعي لتحقيق مكاسب بأقل تكلفة ممكنة، كما يعكس توازنات داخلية في واشنطن بين من يدفع نحو التصعيد ومن يحذر منه، مع إبقاء الخصم في حالة غموض وعدم يقين.
رغم شدة الضربات، لا توجد مؤشرات واضحة على انهيار النظام الإيراني. الدولة لا تزال متماسكة أمنيًا، والمعارضة تعاني من تشتت بنيوي يقلل من قدرتها على إنتاج بديل فعلي. حتى القوى الكردية تدرس حساباتها بحذر قبل الانخراط في مواجهة مفتوحة، إذ تدرك اختلال ميزان القوة وتشكو من غياب ضمانات دولية واضحة، خاصة بعد تجارب سابقة أسهمت في تعزيز الشكوك حول استمرارية الدعم الخارجي.
السيناريو الأرجح في المرحلة الحالية هو استمرار نمط من التصعيد المحدود، حيث تُستخدم القوة العسكرية لإرسال رسائل ردع، مع الحفاظ على قنوات التفاوض غير المباشر. هذا النهج يمنح كل طرف هامش مناورة، لكنه في الوقت ذاته يخلق حالة من الهشاشة المستمرة، إذ يمكن لأي خطأ في الحسابات أن يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
انعكاسات هذه الديناميات على الشرق الأوسط واضحة. العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته مع أطراف الصراع، يتحول إلى ساحة مفتوحة للتجاذب والضغط المتبادل. دول الخليج تعيش بين القلق الأمني من احتمال توسع المواجهة والاستفادة المؤقتة من التحولات الاقتصادية، مع استمرار المخاطر على الملاحة والبنية التحتية.
في تركيا، تتداخل الحسابات الإقليمية مع الهواجس الداخلية، خصوصًا ما يتعلق بالقضية الكردية، ما يدفعها إلى رفض أي سيناريو قد يعزز النزعات الانفصالية، مع محاولة استثمار التحولات لتعزيز نفوذها. وفي سوريا ولبنان، يظهر أثر الصراع بشكل غير مباشر، سواء عبر احتمالات التصعيد بين إسرائيل وإيران في سوريا، أو عبر الضغوط المتزايدة على التوازنات الداخلية في لبنان نتيجة ارتباط حزب الله بالمحور الإيراني.
النتيجة هي مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا وأقل استقرارًا، حيث لا توجد قوة مهيمنة قادرة على فرض نظام واضح، ولا قواعد ثابتة تضبط سلوك الفاعلين. الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل جزء من عملية أوسع لإعادة رسم التوازنات الإقليمية. هذا المسار يحمل مخاطر مستمرة، إذ إن إدارة الصراع على حافة التصعيد قد تنجح مؤقتًا، لكنها تبقى عرضة للانهيار في أي لحظة.
في منطقة تتسم بتشابك الأزمات وتعدد الفاعلين، قد لا يتطلب الأمر أكثر من خطأ واحد أو حادث غير محسوب لتحويل الصراع المحدود إلى مواجهة واسعة، تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله، لتعيد طرح سؤال الاستقرار في الشرق الأوسط على نحو أكثر إلحاحًا وتعقيدًا.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
