مروة جردي
لم تنتظر «سوريا الجديدة» طويلاً قبل أن تضع الإعلام أمام أول اختبار حقيقي: تعميم رسمي يمنع منصات إعلامية من العمل، يقابله اتهام مباشر للسلطة بإعادة إغلاق المجال العام. بين رواية «تنظيم الفوضى» التي تتبناها وزارة الإعلام، واتهامات «القمع المقنّع بالقانون»، يتكشف صراع مبكر على شكل الفضاء الإعلامي وحدوده.
أصدرت وزارة الإعلام السورية تعميماً يقضي بمنع عدد من المؤسسات الإعلامية من ممارسة أي نشاط إعلامي داخل أراضي الجمهورية العربية السورية، لعدم حصولها على التراخيص اللازمة. وشمل التعميم موقع ومنصة «هاشتاغ»، ومنصة «جسور» الإخبارية، ومنصة «الدليل» للتحقق من الأخبار.
«هاشتاغ»: مستمرون… ولن نُدجّن
عقب صدور التعميم، أصدرت «هاشتاغ» بياناً أعلنت فيه رفضها القرار «جملةً وتفصيلاً»، معتبرةً أنه «إجراء تعسفي ذو طابع أمني–سياسي، يفتقر إلى أي أساس قانوني سليم، ويكشف بوضوح عن توجه خطير لإعادة إغلاق المجال العام في سوريا». وأشار البيان إلى أن «محاولات وزارة الإعلام تصوير «هاشتاغ» كموقع الكتروني غير مرخّص هي ادعاءات مضللة، تتناقض مع الوقائع القانونية، وتتجاهل أنّ الترخيص صادر عن الدولة السورية، وليس عن أي نظام سياسي، ولا يمكن شطبه أو تجاهله بقرار إداري اعتباطي».
كما كشف البيان عن عراقيل واجهتها المنصة مع السلطة الجديدة لاستكمال إجراءات الترخيص، موضحاً أنه «منذ استلام السلطة الجديدة، التزمنا بكافة الإجراءات المطلوبة وقدمنا ملفاتنا إلى وزارة الإعلام، إلا أن الوزارة نفسها تسبّبت في إضاعة الملف، ولم نكتشف ذلك إلا قبيل انتهاء المهلة الثانية». وأضاف أن استكمال الإجراءات القانونية في وزارة التجارة تم «بناءً على طلب الوزارة نفسها، التي كانت على اطلاع كامل بكل التفاصيل وفي تواصل دائم معنا». واعتبر أن الحديث عن «عدم استكمال الأوراق» هو «ذريعة واهية»، في ظل «حالة التخبط داخل وزارة الإعلام، وتبدل القوانين والكوادر، وغياب إطار واضح ومستقر لتنظيم العمل الإعلامي».
وفي ختام البيان، أكدت التزامها «بمعارضة أي سلطة تمارس القمع والفساد وفق المعايير المهنية والقانونية»، مع الاستمرار في استكمال الإجراءات المطلوبة، رغم «عبثية المسار الحالي»، والإعداد لرفع دعاوى قضائية ضد كل من «حرّض أو شهّر أو لفّق» بحقها. وأعلنت «توقيف عمل الموقع من داخل سوريا مؤقتاً إلى حين صدور قرار رسمي يسمح بممارسة النشاط»، مع الاستمرار في العمل من مكاتبها الخارجية، حيث تمتلك تراخيص في بريطانيا والإمارات.
وفي حديثها لـ«الأخبار»، أكدت إدارة «هاشتاغ» أنها علمت بالتعميم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أي تواصل رسمي مباشر. وأشارت إلى أن القرار سبقه تصعيد تمثّل في حملة إلكترونية واسعة ضد حساباتها، إضافة إلى توقيف فريقها ومنعه من تغطية اعتصام باب توما من دون توضيح قانوني، ما اعتبرته مؤشراً إلى أن القرار يأتي ضمن مسار تضييقي متدرّج.
وبحسب تقرير حقوقي لفريق «العدالة للجميع» حول اعتصام باب توما في دمشق يوم الأحد 22 آذار (مارس) الماضي، سُجّلت انتهاكات بحق صحافيين جرى توقيفهم أثناء أداء عملهم، ونُقلوا إلى مركز شرطة باب توما. وينتمي هؤلاء إلى «جسور نيوز» و«هاشتاغ»، إضافة إلى صحافيين من «مستقبل» و«الشرق» و«الأيام التنموية». وأُجبر الصحافيون المحتجزون على حذف المواد التي صوّروها، رغم حيازتهم تصاريح إعلامية سارية، قبل الإفراج عنهم لاحقاً.
ورداً على اتهامات وزارة الإعلام لـ«هاشتاغ» بممارسة «التحريض وبث الكراهية»، أكدت المنصة أن الوزارة ادعت امتلاك «عشرات الروابط» لإثبات ذلك، لكنها «عجزت عن تقديم أي دليل» عند طلب الاطلاع عليها في اجتماع رسمي. في المقابل، قالت «هاشتاغ» إنها تعرضت لحملة تحريض ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت اتهامات ملفقة وتزوير محتوى، ومحاولات لتشويه سجلها المهني. وأشارت إلى أنها تقدمت بشكاوى قانونية أفضت إلى ملاحقة بعض المحرضين، قبل ظهور مؤشرات إلى ارتباط هذه الحملات بجهات داخل وزارة الإعلام نفسها، معتبرة أنّ «الجهة التي تتهمنا بالتحريض هي ذاتها التي تمارسه ضدنا».
«جسور» و«الدليل»
بدوره، نشر مدير مكتب شبكة «جسور نيوز» في سوريا غيلان غبرة منشوراً تساءل فيه: «من هي الجهة الوزارية التي لم تلتزم بمدونة السلوك التي أطلقتها وقامت بالتحريض علينا والتشهير؟ التهديدات التي بدأت تصلنا بعد التشهير، من يتحمل مسؤوليتها؟». كما أشارت رئيسة تحرير «جسور نيوز» إلى امتلاك العاملين في المنصة تراخيص مؤقتة سارية.
وفي تصريحات لنا، كشف غبرة أن تاريخ القرار يسبق إعلانه بنحو عشرة أيام، من دون أي تواصل رسمي مع المؤسسات المعنية خلال تلك الفترة، معتبراً أن ذلك «يثير تساؤلات جدية حول شفافية الإجراءات». ورأى أن التعميم «يخالف مدونة السلوك الصادرة عن وزارة الإعلام، وينطوي على تشهير بالمؤسسات المستهدفة، ما يعرّض الصحافيين لمخاطر مباشرة»، لافتاً إلى أن تهديدات بدأت تصل بالفعل إلى بعض العاملين عقب صدوره. كما انتقد تصريحات صادر عن عاملين في الوزارة معتبراً أنها «أقرب إلى التحريض والتشهير منها إلى توضيح رسمي».
وفي ما يتعلق بالترخيص، أكد غبرة لنا أنه سبق أن قدم جميع الأوراق المطلوبة للترخيص الدائم، وهي «موجودة لدى مديرية الشؤون الإعلامية في الوزارة»، وفق ما أفاد به موظفون فيها بعد مراجعتهم، مرجحاً أن يكون قرار التوقيف «غير مرتبط بمسألة الترخيص بقدر ما يرتبط بأسباب أخرى لم تعلن عنها الوزارة».
أما منصة «الدليل»، وهي من المبادرات القليلة المتخصصة في التحقق من الأخبار في سوريا، فأعلنت عبر فايسبوك عن «توقف عمل فريقها داخل سوريا موقتاً إلى حين تسوية الأوضاع القانونية»، مع الاستمرار في العمل من خارج البلاد. وأوضحت أن المنصة تعتمد بالكامل على العمل التطوعي ولا تتلقى تمويلاً ثابتاً، مشيرة إلى أن استكمال الترخيص يتطلب شروطاً مالية وإدارية، من بينها إيداع مبلغ 1000 دولار في المصرف المركزي واستئجار مكتب، وهو ما تسعى لتحقيقه بموارد محدودة.
ويشير وهاج عزام، مؤسس ومدير منصة «الدليل» لنا ، إلى أن فريقه لم يتعرض سابقاً لمضايقات أثناء العمل داخل سوريا، إلا أن المنصة واجهت حملات تحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، عبر اتهامات بتلقي تمويل «خارجي مشبوه». ويرى عزام أن إدراج «الدليل» في التعميم إلى جانب منصات محددة، دون غيرها من الوسائل غير المرخصة أو العاملة بتراخيص مؤقتة، يمكن اعتباره «تشهيراً»، معرباً عن أمله في الوصول إلى تسوية تتيح استمرار عمل المنصة من دون تهديد أو تدخل مباشر في عملها التحريري، وبما يحفظ دور وزارة الإعلام كجهة تنظيمية لا وصائية.
تنويه:
فيما يخصّ تعميم منع عمل بعض المنصات الاعلامية ضمن اراضي الجمهورية العربية السورية، نريد توضيح النقاط التالية:
– أولاً يحقّ لكل المؤسسات والمنصات الإعتراض على قرار إلغاء الترخيص، وهذا حق مكفول ومعمول به ضمن وزارة الإعلام.
– خلال عام 2025 تم إصدار ثلاثة تعاميم مع مُهل…
تحذيرات رسمية وجدال متصاعد
وفي منشور على منصة «إكس»، حذر معاون وزير الإعلام للشؤون الصحفية والإعلام الحكومي، عبادة أحمد طارق كوجان، من تعاميم إضافية قد تشمل «إلغاء عشرات التراخيص لمؤسسات ومنصات ودور نشر ومطبوعات» لعدم تجديدها أو لعملها خارج الأطر القانونية، مشيراً إلى أن الإجراءات قد تطال أيضاً منصات صناع المحتوى قريباً. واعتبر أن المنصات المشمولة «سُجلت بحقها انتهاكات مهنية وأخلاقية، وخطاب كراهية وتنميط وافتقار إلى الدقة والموضوعية، بما يخالف مدونة السلوك المهني».
وأثار التعميم وتصريحات مسؤولي الوزارة جدلاً واسعاً حول حرية التعبير والعمل الصحافي، ولا سيما في ما يتعلق بآلية استهداف وسائل محددة دون غيرها، رغم وجود العديد من المؤسسات غير المرخصة، وغياب مهلة زمنية شاملة لتسوية الأوضاع، وتعرض هذه الوسائل لتقييد مشابه لما تعرضت له خلال فترة حكم نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد. وقد عملنا على التواصل مع كوجان وإرسال مجموعة استفسارات حول ما نشره في حسابه الشخصي والذي يتعارض مع ما جاء في بيانات المؤسسات التي تعرضت للإغلاق، لكنها لم تحصل على أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير.
في هذا السياق، دعت «رابطة الصحافيين السوريين» وزارة الإعلام إلى اعتماد نهج أكثر مرونة، ومنح مهل إضافية لتسوية أوضاع المؤسسات، مؤكدة على ضرورة الموازنة بين تطبيق القانون وحماية استقرار المؤسسات الصحفية وحقوق العاملين فيها. كما شددت على أهمية التمييز بين «ترخيص الصحافي الفرد» و«ترخيص المؤسسة»، محذرة من أن الخلط بينهما يربك بيئة العمل الإعلامي، ومطالبةً بمعايير شفافة وإجراءات قانونية واضحة تصون حقوق المؤسسات وسمعتها، بعيداً عن القرارات التعميمية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
